بقلم: محمود داوود يعقوب
محامي وأستاذ جامعي
شرعت المحكمة العسكرية بالكاف في النظر في قضية ضحايا تالة والقصرين المورط فيها مسؤولان سياسيان وإطارات وأعوان من الأمن الوطني ورافق هذا النظر احتجاجات من جانب نقابة قوات الأمن الداخلي واحتجاجات من قبل عائلات الشهداء والجرحى. وتأتي الاحتجاجات من هذا الجانب أو من ذاك لتبرر عقلية أصبحت سائدة في المجتمع التونسي منذ الثورة، وهي أن القضاء لا يخضع فقط لإرادة القانون بل أيضا لإرادة الشارع.
وبينت حالات أخرى مدى شعور المواطن بخضوع القضاء إلى من يتحدث باسم الشارع أو من يهدد باستغلال مدى تأثيره على الشارع.
كل هذا يجعل من مسألة العدالة والعدالة الانتقالية من المسائل العاجلة التي لا تنتظر وهو ما أكدته كل الأطراف السياسية التي تبوأت مكانا في المجلس سواء صلب الائتلاف الثلاثي[1] أو من بقية الأحزاب خارجه، إذ يتضمن مشروع قانون التنظيم المؤقت للسلط العمومية نصا صريحا يتعلق بالعدالة الانتقالية ونصه هو: "يسن المجلس الوطني التأسيس قانونا أساسيا يرسي بموجبه أسس العدالة الانتقالية".
كما تكلم العديد عن العدالة الانتقالية لكن لم يتبين أحد محتواها إلى حد الآن. فالعدالة الانتقالية مفهوم متداول على نحو واسع في أيامنا هذه ومع هذا فهو مفهوم يلفه الإبهام والغموض، والصعوبة تكمن في أنه ليس هناك مفهوم موحّد للعدالة الانتقالية بل تتحدد المفاهيم بحسب الظروف الاجتماعية والسياسية وبالخصوص الاقتصادية لكل بلاد.
مع أن العدالة الانتقالية بكل بساطة هي آلية تتيح تحوّلاً – انتقالاً – من جهاز استبدادي لا يوجد فيه حكم للقانون إلى نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان، لذلك، فالعدالة الانتقالية تسعى لتحقيق أهداف متعددة في أوضاع ما بعد النزاعات أو الثورات التي يواجه فيها الحكام الجدد احتياجات ملحة، كتحسين أمن المدنيين، وتعويض الضحايا، وإنعاش اقتصاد مجتمع مدمّر.
ومساهمة في إدراك المفهوم المناسب لتونس بعد الثورة تناقشت مع عديد المختصين في هذه المجالات الثلاث لأستخلص أن العدالة العادية (أي الحالية فليس هناك بعد عدالة انتقالية) لا تناسب الوضع الراهن ولأتساءل عن أفضل نموذج يمكن اعتماده للعدالة الانتقالية.
الجزء الأول : محدودية العدالة الحالية
يمكن القول إنه لا يمكن للمنظومة القضائية الحالية أن تحقق تحديات الفترة الراهنة وذلك لأسباب ثلاثة على الأقل وهي :
- نسبية استقلالية السلطة القضائية
- بطء الإجراءات القضائية الحالية.
- تأثير المسار الحالي للعدالة على الاستثمار والتشغيل.
أ – نسبية استقلالية السلطة القضائية:
تعرضت السلطة القضائية منذ الثورة إلى حملة تشكيكية منظمة أحيانا وعفوية أحيانا أخرى. ومهما كانت مبررات ودوافع هذه الحملة ومهما كانت درجة ارتباط السلطة القضائية بالسلطة التنفيذية في قانون 1967 المنظم للسلطة القضائية و الجاري به العمل إلى حد اليوم، فإن هذه الحملة أدت إلى مزيد تكريس عدم الاستقلالية، على الأقل في ذهن اللذين يتكلمون باسم الشعب قبل انتخابات المجلس التأسيسي، وكم كانوا كثرا.
فقد كان من نتيجة هذه الحملة أن ابتعدت السلطة القضائية عن مشروعيتها الهشة المستمدة من دستور 1959[2] وقانون 1967 الذي لا يختلف اثنان في ضرورة تجاوزه بسرعة[3]. لتبحث عن شرعية لدى الفاعلين السياسيين في الحكومات الانتقالية التي سبقت الانتخابات، أو لدى من كان يتحدث باسم الشعب من بين الاحزاب والجمعيات والنقابات قبل هذه الانتخابات وأدى ذلك إلى إدخال القضاء في عملية تصفية حسابات، أحيانا شخصية، لبعض القوى التي كانت مؤثرة في الشارع. و أتى كل هذا في نتائج ملموسة لم تعد تخفى على أحد.
ولعل من أبرز مظاهر فقدان القضاء لسلطته إزاء تجاذبات الشارع وضغطه أن النيابة العمومية التي يمنحها القانون سلطة تقدير مدى ملائمة إثارة التتبع من عدمه أي أن تنظر في جدية الشكاية قبل الإذن بالإحالة على المحكمة أو فتح تحقيق، أصبحت تعمل بصفة آلية وتحيل كل الشكايات، حتى وإن لم تصدر من متضررين أو ممن لهم الصفة[4]، من ذلك أيضا أن قضاة التحقيق أصبحوا يقرون الاتهام والإحالة بصفة تكاد تكون آلية مع أن النص صريح وواضح: " حاكم التحقيق مكلف بالتحقيق في القضايا الجزائية والبحث بدون توان عن الحقيقة"[5] " ويأمر بإجراء الاختبارات ويتمم جميع الأعمال المؤدية إلى إظهار البراهين المثبتة أو النافية للتهمة"[6]. كما أن دائرة الاتهام التي تراقب عمل قضاة التحقيق أصبح دورها ينحصر في إقرار ما ذهبوا إليه من إتهام أو إحالة أو إيقاف دون تثبت أو مراجعة كما يفرض عليها القانون ذلك[7].
ولولا الموقف الذي اتخذته محكمة التعقيب أخيرا في قرارين حديثين[8] لحث قضاة التحقيق على التمعن في مدى توفر شروط الإدانة والبراءة على حد سواء، لأصبح قضاء التحقيق مجرد طريق إلى الاتهام والإيقاف لا طريقا إلى كشف الحقيقة والإفراج إن اقتضى الأمر مثلما يفرضه القانون بحسب خصوصية كل قضية ومدى توفر أدلة الإدانة أو البراءة.
وكأننا بقرينة البراءة التي تمثل ضمانة أساسية لكل شخص[9]، (سواء كان الشخص العادي أو رجل الأعمال أو رجل السياسة أو المسؤول الإداري) تحولت إلى قرينة إدانة.
ونشير هنا إلى بصيص نور جاء من محكمة التعقيب التي أقرت أخيرا (في قرارها الجزائي عدد 87808/87807 بتاريخ 2 نوفمبر 2011) مبدأ غير معمول به عادة في القضاء الجزائي التونسي وهو مبدأ "المساواة أمام القضاء والقانون بالنسبة لكل المتداخلين في ارتكاب الجريمة".
ويلاحظ العديد من المتابعين للشأن المحلي أن مبدأ المساواة هذا الذي يفترض أنه قاعدة دستورية عامة لم يقع دائما تطبيقه على الوجه المرضي من قبل القضاء. ويشير هؤلاء على أن العديد من المسؤولين والمقربين من الرئيس السابق لم يقع توجيه اتهام لهم ومن باب أولى لم يقع إيقافهم رغم ثقل الجرائم المنسوبة إلى بعضهم ومظاهر الثراء الفاحشة المنسوبة إلى البعض الآخر. أما من تم إيقافهم فإنهم يؤكدون خلال المواقع الاجتماعية أنهم أوقفوا فقط بحكم أسمائهم ووظائفهم ولم يوقفوا بحكم ثقل جرائمهم أو انتفاعهم بالمال العام.
إن المساواة التي أقرتها محكمة التعقيب تقتضي معاملة الجميع على قدم المساواة وذلك بالعمل بمبدأ (حتى وان اشتمل على استثناءات مبررة قانونا) وهو إيقاف جميع المورطين أو إحالة جميعهم في حالة سراح حتى لا يترك المجال لتأويلات قد تمس بمصداقية مؤسسات الدولة.
يمكن القول أن هذا القرار يعيد الآمل في أن يعمل القضاء على تحقيق مبادئ الثورة، التي جاءت لتهدم النظام الدكتاتوري القمعي ثم لتبني مكانه نظاما ديمقراطيا حرا، فالثورة لا يجب أن تهدم فقط مثلما يريد لها بعض من ركبوا عليها من فاقدي الشرعية خدمة لأجندات سياسية معروفة في مرجعياتهم الإيديولوجية، لا خدمة للشعب وتحقيقا لطموحاته، حدث كل هذا في ظل حكومات انتقالية سابقة مفتقدة هي أيضا للشرعية، فحاولت من خلال تصفية بعض الحسابات والزج ببعض المسؤولين السابقين في السجن لتهدئة الشارع وخدمة لطموحات سياسية أصيبت بخيبة أمل منذ بدء تركيز أجهزة الدولة الشرعية.
ب. بطء الإجراءات القضائية الحالية :
تمثل السرعة خاصيّة من خصائص الإجراءات الجزائيّة يجب أن يعمل المشرع على إضفاءها وضبط آليات تحقيقها وذلك لضمان سرعة الفصل عبر كشف الحقيقة في أسرع وقت، ذلك أن لبّ الإجراءات الجزائيّة يقوم على فكرة ارتباطها بمصلحتين لا تقلّ كلا منهما عن الأخرى أهميّة، مصلحة المتهم ومصلحة المجتمع، وهو ما عبر عنه الكاتب الفرنسي Jean Pradel بقوله " إنّ كل دعوى جزائيّة يجب أن تحسم في مدّة معيّنة، إذ أن البحث عن الدليل يتطلب وقتا محددا حتى تظهر الحقيقة، وحتى يتسنى احترام حقوق الدفاع والحريات الفرديّة[10].
إلا أن هذه الخاصيّة التي حاول المشرع إضفاءها على الإجراءات الجزائيّة حتى تحقق ما هو منتظر منها، بوصفها المسلك الذي تنتهجه الدعوى العموميّة فـــي سيرها إلى انقضائها لا تتوفر دائما. فما يميز المنظومة الجزائية التونسية الحالية هو تشعبها وطولها.
فبالنسبة للجنايات أي الجرائم التي تقتضي أكثر من خمس سنوات سجنا تمر القضية بمرحلتين تحتمل كل منها ثلاث مستويات.
فإجراءات تتبع الجناية تنطلق ببحث أولي، ثم مرحلة من تحقيق التي هي وجوبيّة بالنسبة لهذا النوع من الجرائم، ثم الدرجة الثانية من التحقيق، أي دائرة الإتهام مع إمكانيّة لتعقيب قرارات دائرة الإتهام. ثم تصل الدعوى العموميّة إلى المرحلة الحكميّة بدرجتي التقاضي، مع ما ينشأ في هذه المرحلة من حق طعن بالإستئناف في الأحكام الصّادرة إبتدائيّا ثم إمكانية الطعن بالتعقيب.
ولا يخفى أن كل المحالين على القضاء اليوم من رجال أعمال و مسؤولين في قضايا تتعلق بالفساد المالي تمت إحالتهم على أساس جناية وهي غالبا الجناية المنصوص عليها بالفصل 96 من المجلة الجزائية والذي يعاقب بعشر سنوات سجنا الموظف أو شبه الموظف الذي استغل صفته لاستخلاص فائدة بصفة غير قانونية لنفسه أو لغيره[11].
ويزداد البطء كلما اتجه القاضي لإجراء اختبارات، كما أن هذا النوع من القضايا عادة يكون متشعبا وقد يستغرق سماع الشهود شهورا، كما أن بعض المتهمين ممن لا زالوا يحتفظون بنفوذ يماطلون في المثول أمام قاضي التحقيق الذي يضطر لإصدار بطاقات جلب محلية أو دولية، كما يمكن ان يتمسك أحد المتهمين بحقه في الصمت فيعطل سير الأبحاث، أو يتحصن بالفرار الداخلي أو الخارجي فيتعذر بيان الحقيقة وختم التحقيق.
كل هذا في الوقت الذي ينتظر فيها الضحايا ساعة الحقيقة ويمكن أن يكون فيه أحد المتهمين موقوفا لأشهر ثم تثبت براءته.
فلماذا يتوجب على الضحية أن تتحمل بطء المنظومة القضائية؟،
ولماذا نصر على أن لا يقام العدل إلا على حساب ضحايا جدد ممن أوقفوا دون موجب قانوني ثابت؟.
سيقول قائل: هكذا شأن القانون الجزائي إذ أستخدم كأداة في يد الساسة وكوسيلة لتصفية الحسابات. عندها تغيب الضمانات وتنعدم استقلالية القضاء، فينتفع منه البعض لينقلب لاحقا عليهم بعد مدة زمنية قد لا تطول ويبقى المواطن الضحية هو الخاسر الأبدي ينتظر عدالة قد لا تتحقق.
ج. التأثير على الاستثمار والتشغيل :
إن المطالبة بالعدالة الانتقالية في مجتمعات تمر بمرحلة انتقالية يجب أن تكون متوازنة مع الحاجة إلى السلم العاجل، والديمقراطية، والتنمية المسَاوية وحكم القانون وضمان تكافؤ الفرص.
ولأن تشعب وطول الإجراءات الجزائية تجعل كل قضية تستغرق على الأقل سنة ونصف، إن لم نقل سنتين أو ثلاث وربما أكثر. وإذا علمنا أن هناك عديد القضايا لم تنشر بعد ومنها ما سينشر بعد سنتين أو حتى ثلاث أو أكثر فإنه ينتظر تونس على الأقل عشرية من التقاضي لا يستبعد أن تشمل تدريجيا جل رجال الأعمال وأيضا أغلب المسؤولين السابقين لا في المستوى الوزاري فقط أو في مستوى الولاة الذين شملت العديد منهم الأبحاث أخيرا بل أيضا الرؤساء المديرين العامين للشركات وكل من ساهم من قريب أو بعيد في "تحقيق منفعه" لعائلتي الرئيس السابق أو المقربين منهما.
فهل يقدر هذا البلد وأهله على تحمل هذا في وقت يجب فيه على الجميع العمل لتوفير الشغل لـ800 ألف عاطل عن العمل (بزيادة مطردة تقدر بـ 70 ألف على الأقل بعد كل سنة تخرج جامعية)؟.
وهل تقدر تونس على مواجهة هذه الوضعية وهي تعاني من نسبة نمو سلبية ومن انخفاض ملحوظ ومتواصل في مخزون العملة الصعبة[12]؟
لقد بدأت هذه الوضعية تؤثر بصفة ملموسة على مناخ الاستثمار وإلا بماذا نفسر غلق 150 مؤسسة أجنبية في تونس، وتقليص الاستثمار الخارجي بنسبة %25 مقارنة بالنسبة الفارطة، (مؤشرات صادرة عن التقرير الأخير لمعهد الإحصاء) وبماذا نفسر بالخصوص توقف الإستثمار الخاص الداخلي وتوجه البعض من المستثمرين التونسيين إلى الاستثمار خارج التراب الوطني، كل هذا ويضاف إليه تردي الوضع الاقتصادي العالمي وارتفاع سعر الذهب.
لا يخفى على أحد أن رأس المال جبان وشديد التردد فكيف إذا ظهرت له مؤشرات محاسبة قضائية خضعت إلى حد الآن بدرجة كبيرة إلى ضغوطات من يتكلم باسم الشارع أو باسم الشعب ومن سعى إلى تحقيق طموح طواه التاريخ وفندته الانتخابات الأخيرة.
لقد تكررت في المدة الأخيرة نداءات المطالبة بمحاكمة أسماء محددة لرجال أعمال بحجة أنهم أثروا على حساب المال العام و دم الشعب وعرق الشغالين في العهد السابق دون حجة ولا دليل إلا حجم الثروة التي يملكها هؤلاء فهل صار الغنى دليل فساد؟.
إن هذا الكلام لا يعني طبعا أن تعتمد هذه المؤشرات السلبية للتشغيل والتنمية والاستثمار كمبرر لطي صفحة الماضي دون محاسبة بل يعني فقط الإسراع بتركيز عدالة انتقالية تستجيب لشروط المرحلة وتخدم مصلحة تونس قبل أي مصلحة شخصية أو حزبية.
الجزء الثاني : أي عدالة انتقالية لتونس
كثر الحديث منذ تركيز الشرعية في تونس، وحتى قبل اكتمالها عن العدالة الانتقالية. وان كان هناك اتفاق شبه كلي على أهداف العدالة الانتقالية فإن هناك غموض حول آلياتها.
أ- الإتفاق حول الأهداف :
يتفق الفاعلون السياسيون المتحصلون على الشرعية الانتخابية على أن العدالة الانتقالية أولية من الأوليات. وقد تجلى ذلك في التحركات العديدة لقيادي النهضة وفي أول كلمة ألقاها رئيس المجلس الوطني التأسيسي بعد انتخابه وكذلك في تصريحات قيادي حزب المؤتمر.
ويفسر المتابعون للشأن الوطني هذه الأولوية بضرورة تجاوز البلاد بسرعة للمرحلة الحالية فضلا عن عدم توفر الإطارات القضائية اللازمة للبت في هذا العدد الهائل للقضايا المنشورة فضلا عن القضايا التي ستأتي.
كما يتفق الجميع أيضا على أنه من الضروري أن تكون منظومة العدالة الانتقالية متسمة بالسرعة والفاعلية. لأن تواصل الوضع الحالي الذي يشتكي فيه كل أحد من أي أحد وتكتفي فيه النيابة العمومية بفتح تحقيق نزولا عند الضغط المسلط عليها وأحيانا التهديدات الموجهة إلى الأسرة القضائية التي عانت والحق يقال وخاصة في الأشهر الأولى الموالية للثورة من عديد الانتهاكات لحرمة المحاكم والاحترام الواجب دوما للسلطة القضائية مهما كانت الجريمة ومهما كان المتهمون.
وتكرر الحديث أيضا على أن العدالة الانتقالية تهدف إلى تحقيق المصالحة (ومن السياسيين من يصفها بالشاملة والحقيقية) وذلك بعد المحاسبة.
إن المصالحة التي يجب أن ينشدها الجميع ليست فقط مصالحة مع الأفراد بل هي أيضا مصالحة مع منظومة الإنتاج حتى لا يتردد أي مستثمر تونسي أو أجنبي في بعث المشاريع.
ومصالحة مع المنظومة الأمنية حتى نتجاوز الوضع الحالي الذي يجعل منظومات الدولة تعارض بعضها البعض.
وكذلك تصالحا مع المنظومة الإدارية بكامل هيكلتها من السياسية من رئيس الجمهورية إلى عون التنفيذ حتى لا يفقد أي مسؤول سياسي أو إداري روح المبادرة بتعلة أن كل مبادرة ضلالة وكل ضلالة شبهة وكل شبهة محاسبة وكل محاسبة مقاضاة فسجن ومعاناة.
وعندما نتمعن في تصريحات الفاعلين السياسيين الحاليين سواء من التحالف الثلاثي أو من خارجه نجد قاسما مشتركا بينهم جميعا ويتمثل في أن المصالحة الشاملة والحقيقية يجب أن تسبقها المحاسبة.
وعندما يتم التساؤل عن محتوى المحاسبة يشح القول وتتوجه التحاليل إلى عموميات لا تشفي الغليل والسبب في ذلك هو الغموض الذي يحيط بالمحاسبة باعتبار علاقتها بآليات بالعدالة الانتقالية.
ب. توضيح آليات العدالة الإنتقالية :
لهذا يطرح المختصون أسئلة أولية هي:
- هل تكون العدالة الانتقالية بالمحاكم العادية أم بلجنة مختصة؟
- إذا تم اختيار اللجنة المختصة، فهل سيكون المورطون في قضايا فساد أو رشوة أو استغلال نفوذ مجبرين على اللجوء إلى هذه اللجنة أم أنهم سيكونون مخيرين بين اللجوء إلى اللجنة أو الانصياع للإجراءات القضائية العادية؟ وكيف ستكون العلاقة بين اللجنة المختصة على فرض التوجه إلى إنشاءها، والجهات القضائية التي سبق وأن تعهدت بالقضايا موضوع نظرها؟
- ثم ما هي معايير المصالحة؟
1- محاكم عادية أم لجنة مختصة:
طرح العديد من الفاعلين السياسيين فرضية إنشاء لجنة مختصة تتولى النظر في القضايا المعروضة حاليا أمام المحاكم والتي تهم رجال أعمال ومسؤولين سياسيين وإداريين ينسب لهم فساد مالي وإداري أو استغلال نفوذ، إما بالفعل أو بالمشاركة وإما بالحصول على منفعة لهم أو لغيرهم (وغيرهم هم عادة من عائلتي الرئيس السابق والمقربين منهم).
ومما يدعم هذه الفرضية أن اللجنة توفر سرعة النظر في هذه القضايا لأنها ستتخلص من التشعبات الإجرائية التي تميز عمل المحاكم.
و طبيعي أن تكون هذه اللجنة متكونة من أعضاء من المجلس الوطني التأسيسي وتضم قضاة معروفين بعمق تجربتهم وكذلك شخصيات حقوقية ومالية وإدارية تونسية مشهود لها بالنزاهة والحياد.
ومن الضروري أن تتوفر في جميع هؤلاء الأعضاء شروط نظافة اليد والاستقلالية عن المؤسسات والأحزاب والأفراد والمنظمات و الحياد التام تجاه الأشخاص الذين يمكن أن يحالوا عليها و من الضروري أيضا تفادي المحاصصة بين الأحزاب أو المنظمات لأن ذلك يمس من مصداقية اللجنة.
ففي هذه الصورة فقط تجتمع في اللجنة الشرعية السياسية الضرورية لأعمالها والشرعية الفنية والاستقلالية المهنية والحياد الأخلاقي والنزاهة الذين يوفرهم عادة الجهاز القضائي.
ومما يدعم أيضا خيار اللجنة المختصة هو أن المحاكم تحكم بالقانون في حين أن منطق المصالحة يقتضي أيضا الحكم بالعدل والإنصاف فهناك فرق بين من انتفع فعليا بأموال وأملاك عمومية فأثرى واغتنى من عدم، وبين مسؤول مهما كانت درجة مسؤوليته تمثل دوره في قبول تنفيذ تعليمات جائرة لأنه لم تكن له الشجاعة لرفضها حتى وإن أدى ذلك إلى إعفائه من مسؤوليته.
ولا يخفى أيضا أن اللجنة المختصة ستكون لجنة للمحاسبة والمصالحة، ولا معنى للمصالحة إن لم تقترن بالمصارحة وغني عن البيان أن الإطار القضائي العادي لا يتيح إمكانية المصارحة باعتباره يتعهد بأفعال معينة وليس له تجاوزها إلا في حدود قانونية معينة وبإجراءات محددة.
2- التعهد الإختياري أم الإلزامي للجنة
مهما كانت مصداقية لجنة المحاسبة والمصالحة، ومهما كانت نزاهة أعضائها وعمق تجربتهم، فإنها قد لا توفر بالنسبة للبعض على الأقل من الناحية الإجرائية الضمانات التي يوفرها الق


































