إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ

   *******

  *****

  ***

  *




 

إِن كانَ لي ذَنبٌ فَلي حُرمَةٌ  *** وَالحَقُّ لا يَدفَعُهُ الباطِلُ



 

وَحُرمَتي أَعظَمُ مِن زَلَّتي  *** لَو نالَني مِن عَدلِكُم نائِلُ



 

وَلي حُقوقٌ غَيرُ مَجهولَةٍ *** يَعرِفُها العاقِلُ وَالجاهِلُ



 

الشاعر العباسي علي بن الجهم 188 - 249 هـ / 803 - 863 م


الرفق بالحيوان ، الفقر المدقع وعدالة ايام زمان

أيلول 16th, 2009 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون, متفرقات, هذا ما قرأت مؤخرا

أيهما أولى بالرعاية الحيوان أم صاحبه؟

سؤال تفرضه حيثيات الحكم الصادر عن رئيس محكمة صلح جزاء النبطية في لبنان القاضي حسن الأمين ويحمل الرقم 234 أساس 219 لعام 1944، و نصه الحرفي:

المدعـــي: الحق العام.

المدعى عليه : علي يوسف الحايك من قرية عدشيت .

باسم الشعب اللبناني

في المحاكمة العلنية تبين أن مانُسب إلى المدعى عليه علي يوسف حايك من عدشيت ، هو أنه كان يحرث الأرض على رأس بقر وحمار ، وأن في هذا عدم رفق بالحمار وينطبق على فعله القرار 3016

وحيث أنه قبل أن تعلن العقوبة التي يستحقها المدعى عليه ، علينا أن نرجع إلى النص القانوني الذي استند إليه الدرك في تجريمهم للمدعى عليه ، فإن المادة الأولى من القرار 3016 تصرح : " بأنه يعاقب من ثمانية أيام إلى ستة أشهر ، وبجزاء نقدي من ليرتين إلى خمسة وعشرين ليرة لبنانية ، كل من يسيء معاملة حيوان بلا ضرورة أو بإتيان عمل غير جائز للبلوغ إلى غاية مقبولة سواء كان بضربه أو بتعذيبه ، وكل من يحمل حيواناً على القيام بعمل يفوق مقدرته أو يؤلمه إلى أخر ماجاء في المادة المذكورة. فهل ينطبق هذا النص القانوني على عمل المدعى عليه ؟

إن هذه المحكمة تجيب على هذا بكلمة "لا" .. وهي مطمئنة إلى هذا الجواب فالمادة القانونية تنص على أن يكون هناك إساءة للحيوان وأن تكون هذه الإساءة بالضرورة.

فهل في الحراثة على الحمار إساءة إليه ؟

إذا كان المشترع يقصد الإساءة المعنوية أو بعبارة أوضح الإهانة ، فلا شك إنه ليس في الحراثة على الحمار إهانة ، بل ربما كان فيها تكريماً له ، وذلك برفعه عن مستوى بني جنسه الحمير ، وقرنه إلى فصيلة أعلى هي البقر .

ومهما يكن من أمر، فمن ذا يستطيع أن يقول أن وضع النير على العنق هو أكثر إهانة من الركوب على الظهر ؟ 

وإذا كان المشترع يقصد الإساءة المادية ، فأغلب الظن أن لافرق عند الحمار بين أن توقره بالأحمال الثقيلة ، وبين أن تشد عليه المحراث ، بل ربما كانت الثانية أقل مشقة وأخف كلفة . وعلى كل فمرجع ذلك إلى الحمار

المزيد


المباد ئ الـعامة للدعوى المدنية

آذار 12th, 2008 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون

إن الدعوى لا تختلف عن الخصومة فالثانية هي امتداد إجرائي للأولى أي أنّ الدعوى بمجرد رفعها تتخذ شكل الخصومة لأنها مرحلة المنازعة والمجادلة بين الطالب والمطلوب وبهذا الاعتبار فالخصومة ليست سوى مرحلة من مراحل الدعوى أو هي الدعوى في مرحلة تحقيقها وتهيئتها للحكم .

فالخصومة حسب ابن منظور هي الجدل أي مقابلة الحجة بالحجة وهذا المفهوم يبرز خاصية أساسية من خصائص النزاع القضائي تتمثل في كونه “مبارزة” بين المتقاضين بحضور القاضي.

فالنزاع المدني عبارة عن “مبارزة قضائية” يقتضي بطبيعته دعوة “المتبارزين” ليجابه كل واحد الآخر بما لديه من حجج وذلك في حدود إطار الادعاءات وطلبات كل واحد منهم وفق قيود مضبوطة يعبر عنها بالقواعد الإجرائية تهدف إلى تفادي هضم الحقوق.ولإنصاف المتقاضين أقرّ المشرع جملة من الأحكام القانونية و المبادئ العامة الواجب إتباعها عندما تعرض النزاعات على المحاكم.

 الفقرة الأولى: مبدأ ملكية الدعوى المدنية للاطراف

يعني هذا المبدأ أنّ الأطراف هم الذين يرفعون دعواهم ويضبطون محتواها من حيث الطلبات والموضوع وكذلك إنهاء الخصومة فهم يسيطرون على الدعوى سواء على مستوى وجود الخصومة أو على مستوى تحديد مادة النزاع.فهم اللذين يملكون وحدهم حقّ إثارة الخصومة وتسييرها وإنهائها باعتبارها ملكا لهم ، وذلك انطلاقا من فكرة أن النزاع المدني لا يهم بالأساس إلا مصلحة المتقاضين الذين يتحكمون فيه لأن القاضي لا يمكن أن يتعهد بنزاع مالم يرفع أمامه. وهذا المبدأ لم يتبناه المشرع التونسي بصورة صريحة إلا أننا نجد له صدى بالفصل 70 م م م ت بما أنه قيد القاضي عند النظر في الدعوى بالوقائع التي يدلى بها الخصوم.

وقد حظي هذا المبدأ لدى الفقه الفرنسي بالدرس على عكس الفقه التونسي أو العربي واختلفوا في تحديد مفهومه. ويرى الأستاذ جون فانسون Jean Vincent أن الأطراف هم الذين يسيرون الدعوى وأنه على القاضي أن يبقى محايدا ويتبنى هذا المفهوم الأستاذ روجي بيرو Roger Perrot. في حين أن الأستاذ هنري موتالسكي يرى أن هذا المبدأ يترك للأطراف وحدهم تحديد موضوع وسبب النزاع وعليه فإن الأطراف هم الملزمون ببيان وقائع الدعوى وموضوعها وأدلتها والطلبات الأخيرة ومستنداتها, فالقاضي مقيد بالحدود التي وضعها أطراف النزاع لنزاعهم, فليس له أن ينظر في وقائع لم توجد في عريضة الدعوى، لأن المحكمة تمثل مرفقا عاما والخدمات التي تقدمها لهم هي أن تنظر في نزاعاهم بمجرد انعقاد الخصومة وانعقاد الخصومة من عمل الأطراف وحدهم وتتم بمجرد تبليغ عريضة الدعوى إلى المطلوب أو بمجرد تقييد الدعوى لدى كتابة محكمة الناحية. وعند تقديم ملف الدعوى للمحكمة يبدأ القاضي في تهيئة القضية للفصل كما حددها الأطراف.

وعلى هذا الأساس فإن انعقاد الخصومة ومواصلة السير في القضية من عمل الأطراف كما يمكن للأطراف أن يضعوا حدّا للخصومة بالصلح تطبيقا للفصول 1458 م ا ع أو بالإسقاط المنصوص عليه بالفصل 1120 م ا ع والذي يقتضي أن يسقط أحد

المزيد


عريضة الدعوى

آذار 12th, 2008 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون

 التنصيصات الوجوبية في عريضة الدعوى

رفع الدعوى لدى المحكمة يتم عمليا بواسطة محضر استدعاء وعريضة الدعوى وقد اقتضى الفصل 6 والفصل 70 م.م.م.ت. أن يكون كلّ واحد منهما مشتملا على بيانات وجوبيه فبالنسبة لعريضة الدعوى فيتعين أن تكون مشتملا على عدّة تنصيصات وجوبيه وأساسية وهو ما ينص عليه الفصل 70 م.م.م.ت. (نقح بالقانون المؤرخ في 3 أوت 2002):”يجب أن يبين بعريضة الدعوى اسم كل واحد من الخصوم ولقبه ومهنته ومقره وصفته وعند الاقتضاء عدد الترسيم بالسجل التجاري ومكانه ووقائع الدعوى وأدلتها وطلبات المدعي وأسانيدها القانونية والمحكمة الواقع الاستدعاء للحضور لديها وتاريخ الحضور سنة وشهرا ويوما وساعة.

وإن كان الخصم شخصا معنويا يجب أن يشتمل المحضر على اسمه ومقره الاجتماعي وشكله القانوني إن كان شركة وعدد ترسيمه بالسجل التجاري ومكانه.

كما يجب أن تتضمن العريضة التنبيه على المستدعى بتقديم جوابه كتابة مصحوبا بالمؤيدات بواسطة محام بالجلسة المعينة لها القضية وإلا فإن المحكمة تنظر فيها حسب أوراقها…”.

والجدير بالملاحظة من خلال هذا الفصل وأنّ المشرّع أهتم ببعض التنصيصات ورتب لها جزاء البطلان في صورة الإخلال بها وهي البيانات المتعلّقة باسم ولقب المدعى عليه أو المحكمة أو تاريخ الجلسة أو عدم مراعاة مواعيد الحضور أو عدم التنبيه على المدعي عليه بتقديم جوابه طبق الفقرة الثانية من الفصل 70 أو إذا لم تبلغ له نسخة من المؤيدات، فإن المشرّع رتب جزاء البطلان في صورة الإخلال بهذه البيانات الوجوبية طبق الفصل 71 م.م.م.ت. ولكن البطلان وذلك بحضور المدعي عليه أو محاميه إذا كان الخلل متمثل في الغلط أو نقص في بيان اسم المدعي عليه وبتقديم الجواب عن الدعوى إذ كان الخلل متمثل في عدم التنبيه عليه بتقديم جوابه عن الدعوى ولكنه سكت عن بقية التنصيصات في العريضة، مثل وقائع الدعوى وأدلتها وطلبات المدعي وأسانيدها القانونية، فهل يمكن اعتبار هذه التنصيصات غير وجوبيه في عريضة الدعوى؟ أم أنّ المشرّع ترك باب الاجتهاد مفتوحا أمام الفقه وفقه القضاء لتحديد إ كانت وجوبيه أم لا ؟

إذا ما تصورنا أن النزاع المدني هو مبارزة بين الخصوم وهي معركة إجرائية يحاول فيها كل طرف كسب نقاط على حساب خصمه، ولئن كانت المبادرة إجرائيا للمدعي من خلال تقديم طلباته ومؤيّداته في عريضة الدعوى بما يصيّره في موقع الهجوم وقد أكد هذا الاتجاه الدكتور أحمد هندي حال تعريفه للطلب بأنّه “الإجراء الذي يعرض به الشخص على القضاء إدعاء طالبا منه الحكم له بما يدّعيه على خصمه والطلب إذا أجيب أدّى إلى الحكم لمقدمه بشيء على خصمه فهو وسيلة هجوم” .

وبالتالي فإن تعريف الطلب كوسيلة هجوم لا يقتصر على المدعي ذلك أن المدعى عليه الذي لا يكتفي غالبا بالردّ على طلبات خصمه سواء بتنفيذها أو بتقديم ما يثبت عكسها بما يصيّره في موقع المدافع بل أنّه يلجأ بدوره إلى تقديم طلبات تجبر خصمه على الإجابة عليها ممّا يصيره بدوره في موقع المهاجم وعلى هذا الأساس فإن العريضة المقدّمة لكتابة المحكمة يجب أن تحتوي على وقائع الدعوى وأدلتها وطلبات المدعي وأسانيدها القانونية طبق الفصل 70 م.م.م.ت. وبالتالي يكون الطلب مشتملا على عنصرين:

يتمثل الأول في موضوع الطلب : أي ما يطلبه المدعي من القضاء وه

المزيد


الأوامر بالدفع

آذار 12th, 2008 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون

يشكّل نظام الأمر بالدفع طريقة تقاضي خاصة تؤدّي بالدائن إلى استخلاص حقّه في أسرع الأوقات و بأقل التكاليف بفضل الصّبغة المبسّطة لإجراءات الأمر بالدفع، فضلا عمّا تتميز به من طابع أحادي و خاصّة خلال طورها الأول. وتعدّ طريقة الأمر بالدفع خطرة لأن القاضي لا يكتفي باتّخاذ مجرّد تدبير وقتي وقائي عند التّأكد فحسب (كما هو الحال بالنّسبة للقضاء المستعجل أو الأذون على العرائض)، بل إنّه يفصل بسرعة في أصل الحق.

و يمكن تعريف الأمر بالدّفع بأنّه إجراء يقع القيام به من جانب واحد و يهدف إلى تمكين الدّائن من استخلاص نوع معيّن من ديونه بأيسر السّبل و أسرعها.

كما تعرّف إجراءات الأمر بالدّفع بكونها ” إجراءات من نوع خاص يجوز بمقتضاها للدّائن أن يستصدر من القضاء في غياب مدينه، أمرا بآداء دينه و ذلك ضمن جملة من الشّروط، و هي تهدف إلى اختصار إجراءات إقامة دعوى و تبسيطها تيسيرا على الدّائنين لاستيفاء ديونهم التي ثبتت بالكتابة…”

و لما صدر القانون عدد 87 لسنة 1986، المؤرخ في

المزيد


إجراءات القضاء الولائي

آذار 12th, 2008 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون

 

يعرّف الفقه العمل الولائي بأنّه " التصّرف الذي يصدره القاضي بحكم ماله من ولاية عامة على الذين يتعلق بهم تصرفه بهدف إعانتهم على تحقيق مصالحهم المشروعة " .و يستنتج من هذا التعريف أن العمل الولائي لا يصدره القاضي بماله من سلطة قضائية في فصل المنازعات، و إنما هو وسيلة تحفظيّة وقتيّة تهدف إلى مساعدة الطّالب على تحقيق مصلحته المشروعة دون المساس بالأصل. و يشكّل الإذن على العريضة، لدى أغلب الفقهاء، النموذج الأساسي للأعمال الولائيّــة.

ولقد قامت محكمة التعقيب بضبط معالم العمل الولائي في قرارها عدد 50211 بتاريخ: 29 أفريل 1997 والذي جاء فيه مايلي: "حيث أن الحكم بمعناه الخاص هو القرار الصادر عن محكمة مشكّلة تشكيلا صحيحا ومختصة (أو صارت مختصة بعدم الاعتراض على اختصاصها في الوقت المناسب) في خصوص ما رفع إليها وفق قواعد المرافعات سواء أكان صادرا في معظم الخصومة أو في شق منها أو في مسألة متفرعة عنها ويتميز إذا الحكم بكونه يصدر من محكمة تتبع جهة قضائية وبما للمحكمة من سلطة قضائية أي أن يصدر في خصومة. وحيث إلى جانب الوظيفة الأساسية للمحاكم وهي الفصل في الخصومات توجد وظيفة أخرى تباشر بها المحاكم أعمالا كثيرة هي أقرب إلى الإدارة منها إلى القضاء وحريّ تسميتها بالوظيفة الولائية ولما كان القضاة تتوفر فيهم ضمانات خاصة منها العلم بالقانون والخبرة بتطبيقه فهذه الضمانات تشفع في تكليفهم القيام بهذه الأعمال الولائية التي تخرج عن وظيفة القضاء. وحيث يتميز العمل القضائي عن التصرف الولائي بطبيعة الإجراءات التي تتبع في سبيل إصدار القرار فإذا كان التصرف قد اتخذ في مواجهة الخصوم بعد سماع أقوال المدعى عليه أو بعد دعوته لإبداء أقواله ولو لم يحضر كان العمل قضائيا ويكون التصرف ولائيا إذا تم بناءا على طلب أحد الخصوم دون أن يدعى الطرف الآخر للحضور لإبداء أقواله في هذا الطلب. وحيث يستخلص من كل ما سبق أن ال

المزيد


شروط القيام بالدعوى

آذار 12th, 2008 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون

تقديم

يوحي مصطلح النزاع المدني بوجود ادعاء يعتبر منطلق الخصومة ويعبر عنه اصطلاحا بالدعوى ورغم كثرة استخدام المشرعين لمصطلح الدعوى إلا أنّ البعض منهم لم يتول تعريفه وذلك خلافا للبعض الأخر المتمثل في عديد التشريعات المقارنة. فالدعوى لغة تعني الزعم أي القول الذي يحتمل الصدق أو الكذب كما أنها تعني الطلب والتمني. [1]

فالمدلول اللغوي للدعوى يرتكز على عنصري الزعم والطلب وهو مدلول لا يبتعد كثير عن المفهوم الاصطلاحي المعتمد في القانون. ولقد عرفت مجلة الأحكام العدلية الدعوى بالمادة 1613 منها بأنها "طلب إنسان حق على غيره لدى الحاكم". أما فقهاء القانون فقد انقسموا في تعريف الدعوى بين عدّة نظريات هي النظرية الذاتية والنظرية الموضوعية والنظرية التوفيقية.

- فالدعوى حسب النظرية الذاتية ليست سوى الحق في حالة حركية فهذه النظرية تخلط بين الحق والدعوى وهو ما أدى إلى رواج فكرة لا دعوى دون حق [2].

- أمّا النظرية الموضوعية فهي تنفي وجود أي علاقة بين الحق والدعوى وتعتبر أن الدعوى وسيلة قانونية لضمان احترام القانون [3].

- بينما ذهبت النظرية التوفيقية نحو إعطاء مفهوم حديث للدعوى وتعريفها بأنّها القدرة الممنوحة للخواص للتوجه إلى القضاء للحصول على احترام حقوقهم المشروعة [4]. وهذا هو المفهوم الذي تبناه المشرع الفرنسي وكرّسه في الفصل 30 م م م الذي جاء فيه "أنّ الدعوى هي حق صاحب الادعاء في أن يقع سماعه في الأصل من طرف القاضي ليقرّر ما إذا كان ذلك الادعاء وجيها أم لا وبالنسبة للخصم فإنّ الدعوى هي الحق في مناقشة صحة الادعاء" [5].ولقد تعرّضت هذه النظرية للانتقاد باعتبار أن القول بأنّ الدعوى هي الإمكانية القانونية للالتجاء للقضاء لا ينسحب على مدلول الدعوى بل على الحق في رفعها.

وعلى هذا الأساس فإن للدعوى مفهوما ماديا إجرائيا ولا مجرد تصور ذهني فهي تعني الادعاء لدى القضاء. [6]

- وأكدت محكمة التعقيب هذا المفهوم الصحيح للدعوى في قرار صادر عن الدوائر المجتمعة بتاريخ 24 ديسمبر 1982 الذي جاء فيه: "المقصود بالدعوى في العرف القانوني هو الالتجاء للقضاء لتقرير حق أو حمايته [7]". وبهذا المفهوم فإن الدعوى لا تختلف عن الخصومة فالثانية هي امتداد إجرائي للأولى أي أنّ الدعوى بمجرد رفعها تتخذ شكل الخصومة لأنها مرحلة المنازعة والمجادلة بين الطالب والمطلوب.

شروط القيام بالدعوى:

جاء بالفصل 19 م م م ت "حق القيام لدى المحاكم يكون لكل شخص له صفة وأهلية تخولانه حق القيام بطلب ماله من حق ويجب أن تكون للقائم مصلحة في القيام".

 1 المصلحة:

يشترط في رافع الدعوى أن تكون له مصلحة في رفعها : ويقال عادة تعبيرا عن هذا المعنى أن لا دعوى بغير مصلحة وأن المصلحة هي مناط الدعوى pas d’intérêt, pas d’action l’intérêt est la mesure de l’action

والمصلحة في هذا المعنى هي المنفعة التي يجنيها المدعي من التجائه إلى القضاء فهي إذن الباعث على رفع الدعوى وهي في نفس الوقت الغاية المقصودة من رفعها [8].وقد عرفت الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب المصلحة بأنها: " المنفعة التي ستحصل لصاحبها من تقديم الدعوى أو الطعن أو الدفع بصرف النظر عن مركزه في القضية طالبا كان أو مطلوبا، فالمصلحة هي المنفعة التي يجنيها الطالب من التجائه للقضاء". [9] والمصلحة التي يعتد بها هي المصلحة القانونية ويشترط أن تكون شخصية ومباشرة وأن تكون قائمة وحالة [10]. ولتكون المصلحة قانونية لابد أن تستند إلى حق يحميه القانون ولا يهم أن تكون المنفعة التي ستحصل لصاحبها مادية أو معنوية كثيرة أو قليلة وقد أكدت محكمة التعقيب على أن القيام بالدعوى لا يكون قانونيا إلا إذا كان مبنيا على مصلحة شرعية [11].

ويجب أخيرا أن تكون المصلحة موجودة ويتم تقدير وجودها يوم رفع الدعوى أي أن تكون حالة وقائمة وقت التقاضي (un intérêt né et actuel).

ومن هذا المنظور فإن أحكام الفصل 19 تهم النظام العام وهو الموقف الذي تبناه فقه القضاء فالمصلحة تكون قائمة عند رفع ا

المزيد


نظم الاجراءات الجزائية

آذار 11th, 2008 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون

مقدمة

حق المجتمع في العقاب هو أخطر الحقوق التي يمتلكها حيال الأفراد وتعتني الدولة عناية قصوى بممارسة هذا الحق وتعتبره واجبا مطلقا لسلامة كيان المجتمع وإشاعة الأمن بين أفراده .

وتحقيقا لهذا الغرض تفصح الدولة بطريقة التشريع عن أنماط السلوك التي تعتبرها جرائم وتعيّن العقوبات التي تسلّط على مرتكبيها ويطلق على مجموعة هذه القواعد التي تحدد أنواع الجرائم والعقوبات اسم " القانون الجنائي " أو "قانون العقوبات " . بـيد أن العقوبات المقرّرة في القانون الجنائي لا يمكن تطبيقها فورا وبصفة آلية على مرتكبي الجرائم لمجرّد ارتكابهم إيّاها، فالقاتل لا يعدم فور إقدامه على القتل والسارق لا يعاقب بالسجن فور اختلاسه أموال الآخرين بدون رضاهم إذ لابد لتنفيذ العقوبات المقرّرة في القانون على المجرم من أن تحكم عليه سلطة قضائية مختصة ومآل ذلك كله أن ردّ الفعل الاجتماعي حيال الجريمة ومقترفيها لا يجوز أن يكون في المجتمعات الحديثة تعسفيا انتقاميا و إنما يجب أن يكون منظّما واعيا مضبوطا بعيدا عن روح الثّأر و متّصفا بالأمانة و الاعتدال وحب الحقيقة من خلال ما يدعى في لغة الاصطلاح القانوني "الإجراءات الجزائية".

إذ تمثل مادة الإجراءات الجزائية عمليا حلقة ربط بين الجريمة والعقوبة، وذلك من خلال المرور بمختلف مراحل البحث والتحقيق والمحاكمة، بما يسمح معه أن تنتقل قواعد القانون الجزائي من مستوى المبادئ والنظريات إلى مستوى واقع ملموس مجسّم في شكليات وإجراءات، لذلك تميّز قانون الإجراءات الجزائية بطابعه الشكلي. فالقانون الجزائي يشتمل بمعناه الواسع على نوعين من القواعد أحدهما يشمل القواعد الموضوعية، ويطلق عليها اسم القانون الجزائي أو قانون العقوبات، أما النوع الثاني فيضم القواعد الشكلية ويسمى قانون الإجراءات الجزائية، ويحدد النوع الأول الأفعال التي تعد من قبيل الجرائم وبيّن الجزاء المسلط على كل منها، أما قانون الإجراءات فينطبق عند مخالفة أحكام القانون الجزائي، فوظيفته وضع أحكام هذا القانون (القانون الجزائي) موضع التطبيق والتنفيذ.

وعلى هذا الأساس فقد عرّف الفقه• قانون الإجراءات الجزائية بأنه يضم مجموعة القواعد التي تنظم وسائل التحقيق من وقوع الجريمة ومحاكمة مرتكبها وتوقيع الجزاء الجزائي، والفصل في الدعوى المدنية التي قد ترفع إلى القضاء الجزائي، وكذلك القواعد الخاصة بالطعن فيما يصدر عن هذا القضاء من أحكام وتنفيذ هذه الأحكام.

فقانون الإجراءات الجزائية يهدف إلى إقرار توازن بين إحترام الحرية الشخصية للأفراد واحترام المصلحة العامة حتى لا يفلت مجرم من عقاب، ووسيلته في ذلك ما يتضمنه من قواعد تخص التنظيم القضائي وتخص أيضا الإجراءات الواجب إتباعها والتقيّد بها في أعمال البحث والتحقيق والمحاكمة.

بالنظر للعلاقة الرابطة بينهما فإن تطبيق قواعد الإجراءات الجزائية يرتبط بقواعد القانون الجزائي، ويتأكد هذا كلما توفرت في الواقعة صفة الجريمة التي تجسم الاعتداء على حق المجتمع سواء تعلق هذا الحق بالدولة أو بالأفراد بما يخوّل للسلطة عامة حقا مشروعا في توقيع العقاب ولا يتم ذلك إلا عن طريق القيام بالدعوى العمومية.

كما تلحق الجريمة أضرار شخصية تصيب المعتدى عليه في ماله أو سلامه بدنه أو في حقوقه المعنوية، فيترتب عن هذا الضرر نشأة حقه في التعويض، ويقع ذلك عن طريق الدعوى المدنية، وبذلك تكون الجريمة سببا قانونيا للقيام بدعويين، دعوى عمومية تمارسها السلطة العامة بواسطة جهاز مختص يعرف بجهاز النيابة العمومية، ودعوى مدنية يمارسها المتضرر أو ما يطلق عليه اصطلاحا القائم بالحق الشخصي وذلك بصفة موازية للدعوى العمومية أو بصفة مستقلة عنها مثلما نص على ذلك الفصل 01 م إ ج التونسية الذي جاء به ما يلي : "يترتب على كل جريمة دعوى عمومية تهدف إلى تطبيق العقوبات ويترتب عليها أيضا في صورة وقوع ضرر دعوى مدنية لجبر ذلك الضرر".

ويمكن تعريف الدعوى العمومية بأنها حق الدولة ممثلة في سلطة الاتهام في ملاحقة مرتكب الجريمة وتقديمه للقضاء لتوقيع العقاب عليه.•

كما عرّفها الفقيهان الفرنسيان روجر ميرل Roger Merle و أندريه فيتو André vitu بما يلي :

L’action publique peut être définie comme l’activité procédurale exercée au nom de la société par le ministère public, pour faire constater par le juge compétent le fait punissable, établir la culpabilité du délinquant et obtenir le prononcé de la sanction établie par la loi."Roger Merle et André vitre : traité de droit criminel. T.II Procédure pénale 4ème édition Cujas p.38."

فالدعوى العمومية هي السلطة المخوّلة للنيابة العمومية نيابة عن المجتمع ولمصلحته في الالتجاء للقضاء للوصول إلى إثبات وجود فعل إجرامي معاقب عنه وإقامة الدليل على مرتكبه وتوقيع العقوبة المقررة له قانونا، فمن خلال هذا التعريف يتضح أن للدعوى العمومية خاصيتان تتعلق الأولى بأنها عامة والثانية بأنها غير معلقة على شرط.•

ففيما يتعلق بخاصية العمومية تستمد الدعوى العمومية هذه الصفة من طبيعة غايتها ومن صفة صاحب الحق فيها فهي تهدف إلى حماية مصلحة عامة وتوقيع العقاب على مرتكب الجريمة.

أما فيما يتعلق بعدم تعلق الدعوى العمومية على شرط فإن النيابة العمومية تتولى إثارة الدعوى،العمومية وممارستها أمام القضاء بقطع النظر عن مسك الجاني من عدمه فهي تثير الدعوى العمومية بمجرد حصول الفعل الإجرامي ودون توقف على أي شرط عدى في بعض الحالات الإستثنائية.

وفي فرنسا فقد تم تنظيم الإجراءات الجزائية في مجلة واحدة تعرف باسم مجلة الإجراءات الجزائية الصادرة بمقتضى القانون عــدد57 - 1426 المؤرخ في 31 ديسمبر 1957 وتحتوي تقريبا على 803 فصلا وقد تضمنت بابا تمهيديا يتعلق بالقواعد العامة للإجراءات الجزائية وخصصت جزء منها لممارسة الدعوى العمومية والتحقيق وجزء ثاني لمحاكم القضاء وجزء ثالث لطرق الطعن وجزء رابع إلى بعض الإجراءات الخاصة وجزء خامس إلى قواعد التنفيذ وتجدر الملاحظة أن هاته المجلة أدخلت عليها العديد من التنقيحات المتتالية.

أما في تونس تم تجميع النصوص المتعلقة بالإجراءات في المادة الجزائية في مؤلف واحد باسم "مجلة الإجراءات الجزائية لسنة 1968 الصادرة بمقتضى القانون عـ23ـدد لسنة 1968 المؤرخ في 24 جويلية 1968 المتعلق بإعادة تنظيم قانون المرافعات الجنائية وتشتمل على 377 فصلا، والتي تميّزت بمحاولـة التوفيق بين الحرية الفردية والمصلحة العامة، وتضمنت جملة من الأحكام التمهيدية تتعلق بالدعوى العمومية والدعوى المدنية، كما تضمنت قواعد متعلقة بإقامة الدعوى ومباشرة التحقيق وذلك من خلال تنظيم أجهزة الضابطة العدلية ووظائف حكام التحقيق ودائرة الاتهام، كما تضمنت قواعد متعلقة بتنظيم محاكم القضاء من حيث مرجع النظر وضبط اختصاص كل منها على حدة بالإضافة إلى تخصيص قسم للإعتناء بطرق الطعن وإجراءات تنفيذ الأحكام الجزائية وهاته المجلة تعددت وتتالت النصوص اللاحقة لها والرامية إلى تنقيح بعض فصولها لتواكب الإجراءات الجزائية الحديثة المعمول بها في أغلب تشاريع العالم.

و يلاحظ أن قانون الإجراءات التونسي ينتمي إلى النظام الذي تطبقه أغلب الدول الأوروبية كفرنسا و ألمانيا و إيطاليا. و هو نظام تمر فيه الجريمة فور ارتكابها عبر ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى لدى الضابطة العدلية التي يرأسها وكيل الجمهورية و المرحلة الثانية هي مرحلة التحقيق كلما كانت الجريمة من صنف الجنايات حيث يكون التحقيق وجوبيا مع بقاء التحقيق في الجنح و المخالفات اختياريا. أما المرحلة الثالثة و الأخيرة فهي مرحلة المحاكمة، بل و يلاحظ أنه و في إطار المرحلة الأولى و هي مرحلة الضابطة العدلية يمكن أن نميز بين مرحلتين فرعيتين الأولى و تتعلق بسلطة الضبط الأوّلي للجريمة و التي تمارسها الأجهزة التابعة للسلطة التنفيذية و التي يمتع القانون أعضاءها بصفة الضابطة العدلية.

في حين تتعلق الثانية بسلطة التتبع و يمارسها أعضاء من السلطة القضائية يمثلون النيابة العمومية و يخولهم القانون ممارسة التتبع و إثارة الدعوى العمومية أو حفظ القضية كلما تبين لهم أن استدلالات السلطة الضابطة للجريمة غير كافية قانونا لتوجيه الاتهام إلى شخص معين أو أن الأفعال لا تشكل جريمة أصلا و لذلك أطلق على هذه المرحلة اسم مرحلة الأبحاث الأولية أو مرحلة الأبحاث الاستدلالية و التي يتولى فيها الضابطة العدلية القيام "بإجراءات تلقي البلاغ و ما يعقبه من إجراءات التحفظ على مسرح الجريمة و تجميع ما به من أدلة جنائية مختلفة و تحديد أطراف الجريمة من جناة و مجني عليهم و شهود"1 و ذلك لتمييزه عن البحث التحقيقي الذي تجريه السلطة القضائية ممثلة في قاضي التحقيق.

على أن البحث و سواء كان استدلاليا أو تحقيقيا يهدف إلى القيام بجملة من الإجراءات و الأعمال التي تكون ضرورية للتوصل إلى جمع الأدلة المادية و المعنوية قصد التمكن من معرفة الحقيقة في جريمة وقع إرتكابها " بحيث لا تطرح على المحاكم إلا التهم المركزة على أساس قوي من الواقع و القانون"2.

و بالتالي يتضح أن مادة الإجراءات الجزائية تقوم على قواعد إجرائيّة يقع إتباعها عند تطبيق القانون الجزائي والإجراءات المنظمة لـه لإحالة مرتكبي الجرائم على المحاكم ومعاقبتهم من أجل ما ارتكبوه في حق الفرد وحق المجتمع خاصة وأنه تنشأ عن كل جريمة دعوى عمومية فهذه الدعوى يقع القيام بها طبق قواعد إجرائية عامة منظمة تسمى النظام

المزيد


الحياد الايجابي للقاضي في النزاع المدني

آذار 11th, 2008 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون

مقدمة

أوكلت مهمة إشاعة العدل للقضاء بوصفه مرفقا من مرافق الدولة، فأصبحت المحاكم تختص دون سواها بالنظر في جميع النزاعات التي تنشأ داخل المجتمع مهما كان موضوعها أو أطرافها ، وأصبح القضاء يمثل أحد ركائز الدولة الحديثة، باعتباره المكلف بتطبيق القانون ودعم المؤسسات وحماية المجتمع. و يشكل القضاء اليوم مرفقا عاما من مرافق الدولة الحديثة، يجسم مظهرا من مظاهر سيادتها، و يندرج في إطار مهامها الأساسية. وبالإضافة إلى وظيفته الأساسية المتمثلة في تطبيق القانون يقوم القضاء بدور اجتماعي حقيقي باعتبار أنه ضمانة رئيسية لبناء مجتمع سليم تحكمه مبادئ الوفاق الذي لا يتحقق إلا بإشاعة العدل بين الناس.

فالعدل ليس كمثله شي ء في توطيد السكينة والطمأنينة والشعور بالأمن، فهو المفتاح الوحيد الذي يدور في إقفال السرائر مهما كان الشطط في المواقف واللجاجة في الخصام .

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أول قاضي في الإسلام أعطاه القرآن الكريم هذه الصفة إذ قال تعالى في كتابه العزيز " فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ". و يقول العلامة ابن خلدون : "أما القضاء فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة لأنه منصب الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي وقطعا للنزاع" . وقد كان للقضاء دورا طلائعيا في بناء الأمم والحضارات على مر التاريخ فهو دعامة العدل، "ويعد من أهم الأسس التي ارتكز عليها الخلفاء في صدر الإسلام يباشرونه بأنفسهم". ففصل الخصومات الناشئة بين الأطراف من قبل القاضي وتحقيق العدالة داخل المجتمع يمثلان "الوظيفة القضائية للدولة " في الإسلام منذ البداية، غير أن هذا المفهوم للوظيفة القضائية لم يقع تكريسه في العالم الغربي إلا حديثا من ذلك أنه ظهر في فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر بعد أن تم إلغاء محاكم الأسياد. فالغاية الأساسية من اللجوء إلى المحاكم لا تتمثل في مجرد استصدار حكم لإنهاء الخصومة بأية طريقة كانت، بل إن مصلحة المتقاضي تقتضي أن يصدر لفائدته حكما عادلا يضمن له الحصول على حقوقه، كما أن المصلحة العامة تقتضي أن تسوى جميع النزاعات طبق القانون مع مراعاة قواعد العدل والإنصاف قدر الإمكان حتى يقع القضاء على جذور الخلافات وبالتالي يسود الأمن والاطمئنان ويتحقق السلم الاجتماعي ويقع فض النزاعات جزائية كانت أم مدنية. فالقضاء سلطة من السلطات الثلاث للدولة، هدفه فض النزاعات وحسمها . ومصطلح النزاع المدني يوحي بوجود ادعاء يعتبر منطلق الخصومة ويعبر عنه اصطلاحا بالدعوى ورغم كثرة استخدام المشرعين لمصطلح الدعوى إلا أنّ البعض منهم لم يتول تعريفه وذلك خلافا للبعض الأخر المتمثل في عديد التشريعات المقارنة. فالدعوى لغة تعني الزعم أي القول الذي يحتمل الصدق أو الكذب كما أنها تعني الطلب والتمني.

فالمدلول اللغوي لدعوى يرتكز على عنصري الزعم والطلب وهو مدلول لا يبتعد كثير عن المفهوم الاصطلاحي المعتمد في القانون. ولقد عرفت مجلة الأحكام العدلية الدعوة بالمادة 1613 منها بأنها "طلب إنسان حق على غيره لدى الحاكم".

أما فقهاء القانون فقد انقسموا في تعريف الدعوى بين عدّة نظريات هي النظرية الذاتية والنظرية الموضوعية والنظرية التوفيقية. فالدعوى حسب النظرية الذاتية ليست سوى الحق في حالة حركية فهذه النظرية تخلط بين الحق والدعوى وهو ما أدى إلى رواج فكرة لا دعوى دون حق . أمّا النظرية الموضوعية فهي تنفي وجود أي علاقة بين الحق والدعوى وتعتبر أن الدعوى وسيلة قانونية لضمان احترام القانون .

بينما ذهبت النظرية التوفيقية نحو إعطاء مفهوم حديث للدعوى وتعريفها بأنّها القدرة الممنوحة للخواص للتوجه إلى القضاء للحصول على احترام حقوقهم المشروعة . وهذا هو المفهوم الذي تبناه المشرع الفرنسي وكرّسه في الفصل 30 م م م الذي جاء فيه "أنّ الدعوى هي حق صاحب الادعاء في أن يقع سماعه في الأصل من طرف القاضي ليقرّر ما إذا كان ذلك الادعاء وجيها أم لا وبالنسبة للخصم فإنّ الدعوى هي الحق في مناقشة صحة الادعاء" . ولقد تعرّضت هذه النظرية للانتقاد باعتبار أن القول بأنّ الدعوى هي الإمكانية القانونية للالتجاء للقضاء لا ينسحب على مدلول الدعوى بل على الحق في رفعها.

وعلى هذا الأساس فإن للدعوى مفهوما ماديا إجرائيا ولا مجرد تصور ذهني فهي تعني الادعاء لدى القضاء. وأكدت محكمة التعقيب هذا المفهوم الصحيح للدعوى في قرار صادر عن الدوائر المجتمعة بتاريخ 24 ديسمبر 1982 الذي جاء فيه: "المقصود بالدعوى في العرف القانوني هو الالتجاء للقضاء لتقرير حق أو حمايته ". وبهذا المفهوم فإن الدعوى لا تختلف عن الخصومة فالثانية هي امتداد إجرائي للأولى أي أنّ الدعوى بمجرد رفعها تتخذ شكل الخصومة لأنها مرحلة المنازعة والمجادلة بين الطالب والمطلوب. وبهذا الاعتبار فالخصومة ليست سوى مرحلة من مراحل الدعوى أو هي الدعوى في مرحلة تحقيقها وتهيئتها للحكم . فالخصومة حسب ابن منظور هي الجدل أي مقابلة الحجة بالحجة وهذا المفهوم يبرز خاصية أساسية من خصائص النزاع القضائي تتمثل في كونه "مبارزة" بين المتقاضين بحضور القاضي.

فالنزاع المدني عبارة عن "مبارزة قضائية" يقتضي بطبيعته دعوة "المتبارزين" ليجابه كل واحد الآخر بما لديه من حجج وذلك في حدود إطار الادعاءات وطلبات كل واحد منهم وفق قيود مضبوطة يعبر عنها بالقواعد الإجرائية تهدف إلى تفادي هضم الحقوق. ولإنصاف المتقاضين أقرّ المشرع جملة من الأحكام القانونية الواجب إتباعها عندما تعرض النزاعات على المحاكم. فعند الحديث عن "مبارزة قضائية" بحضور القاضي فإن المسألة التي تطرحها هذه الوضعية هي معرفة دور كل من القاضي والأطراف أثناء مرحلة تحقيق الدعوى خاصة وأنّ التشريع التونسي فيما يتعلق بهذه المسألة قد مرّ بأطوار هامة. ففي مرحلة أولى تجسمت في مجلة المرافعات المدنية القديمة الصادرة في 24 ديسمبر 1910 اعتمد المشرع النظام الاستقرائي إذ كانت أحكام تلك المجلة تطغى عليها النزعة الاستقرائية حيث كان القاضي المكلف يقوم بدور إيجابي للغاية في تحقيق الدعوى. أمّا المرحلة الثانية فقد تمثّلت في صدور مجلة المرافعات المدنية والتجارية الحالية التي صدرت بمقتضى القانون عدد 130 لسنة 1959 الصادر في 5 أكتوبر 1959 والذي ألغى في ذات الوقت قانون المرافعات القديم وجسمت المجلة الجديدة تحولا جذريا في بعض المفاهيم الأساسية المتعلقة بالنزاع المدني إذ شكلت تخليا عن نظام الاستقرائي وعودة إلى النظام الإدعائي الذي يلعب فيه القاضي دورا سلبيا ويترك تسيير الخصومة للأطراف، فالنظام الإدعائي الذي يمثل تكريسا واضحا لمبدأ ملكية الدعوى للمتقاضين.

والمقصود بهذا المبدأ أن المتقاضين هم اللذين يملكون وحدهم حقّ إثارة الخصومة وتسييرها وإنهائها باعتبارها ملكا لهم . إلا أن المشرع أدخل على هذه المجلة عدة تنقيحات أبرزها ما تم بموجب قوانين 3 أفريل 1980 وغرة سبتمبر 1986 والتي جاءت أساسا للتخفيف من حدة النظام الإدعائي حتى تعطي للقاضي دورا حيويا في النزاع يحد من سلبيته في الخصومة وبالتالي يحد كذلك من سيطرة الخصوم على الدعوى المدنية. وهو ما أثار عدّة تساؤلات حول المبادئ العامة التي تحكم قانون المرافعات المدنية والتجارية التونسية، وما هو الدور الذي يلعبه القاضي في النزاع الذي يدور بين المتخاصمين؟

وهل سيلتزم الحياد المطلق أم سيلعب دوارا إيجابيا في توجيه النزاع؟

وهل سيترك العنان للطرفين يسيرون الخصومة كما يرغبون؟

أم أن سير الخصومة يخضع لضوابط وقواعد معينة تحدد سلفا دور كل من القاضي والأطراف في إثارة وتسيير وإنهاء الخصومة؟ يرتكز النزاع المدني أساسا على حقوق الخواص وبالتالي وجب على هؤلاء إثبات ادعاءاتهم بالطرق القانونية كما يجب عليهم أن يوفروا للقاضي مادة النزاع وخاصة فيما يتعلق بجوانبه المادية وهو ما يسمى مبدأ ملكية الدعوى للخصوم أو للمتقاضين. فمبدأ ملكية الدعوى للمتقاضين يفرض على القاضي أن يبت في النزاع في حدود الإطار الذي حدده الأطراف أي بالاعتماد على الوقائع التي يستندون إليها في طلباتهم ودفوعاتهم وهو ما يقع تفسيره عادة من خلال مبدأ حياد القاضي. فالقاضي يفصل بي المتقاضين على ضوء ما يدلون به من حجج وما يتمسكون به من دفوعات دون حاجة إلى البحث عن أدلة أخرى أو السعي لاتمام ما كان ناقصا منها مقتصرا على الاكتفاء بما احتوته أوراق الملف من عناصر تجسيما لمبدأ حياد القاضي في النزاع المدني والذي يعتبر من المبادئ الأساسية التي يرتكز عليها نظام الإثبات في الدعوى المدنية . والمقصود بمبدأ الحياد هو أن القاضي لا يمكنه أن يؤسس اقتناعه إلا على عناصر الإثبات التي أدلى بها الأطراف فالقاضي يكون بمثابة الآلة التي تزود بمواد القضية لنستخرج منها فيما بعد حكما . ولقد تكرس هذا المفهوم (السلبي) لمبدأ حياد القاضي مع مجلة المرافعات المدنية والتجارية لسنة 1959 التي كرست واجب المتقاضين في إعداد ملفاتهم وتهيئة قضاياهم انطلاقا من أن المتقاضي يحتاج إلى قاضي ينصفه من خصمه ولا يحتاج إلى قاضي يحميه من نفسه ومن غلطاته . إذ جاء في الفصل 12 م م م ت أنه "ليس على المحكمة تكوين أو إتمام أو إحضار حجج الخصوم" . واستخلص بعض الفقهاء من ذلك أنه لا يمكن للمحكمة المدنية من تلقاء نفسها عن أدلة جديدة لأن ذلك يؤدي إلى تغيير موضوع الدعوى أو سببها بتعلة أن طلبات كل طرف مرتبطة بعناصر الإثبات التي يعتمدها، وتلك العناصر هي التي تعطي للطلبات طبيعتها ومداها فإدخال عناصر جديدة في القضية يغير نطاقها وموضوعها وهذا يتنافى مع دور القاضي في النزاع المدني. وهو ما أقرته محكمة التعقيب في قرارها الصادر في 16 أكتوبر 1984 والذي جاء فيه "على الأطراف المتنازعة إثبات ادعاءاتهم وليس للمحكمة أن تقوم بأي سعي لتكوين أو إتمام أو إحضار حجج الخصوم". لكن هذا التوجه تعرض لانتقاد شديد لأنه يخلط بين الوقائع التي يركز عليها المتقاضون طلباتهم وبين وسائل الإثبات، فاتخاذ مبادرة في مادة الإثبات من قبل المحكمة لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير مادة النزاع المتكون أساسا من مجموع الوقائع التي يستند إليها المدعي باعتباره موضوع الطلب فالعبرة إذن بعدم تغيير الوقائع المعروضة على القاضي وتبقى له حرية اتخاذ الوسائل التي يراها لازمة للكشف عن الحقيقة .

وهو ما أقرته محكمة التعقيب حين أكدت أنه "لا يعد خرقا لأحكام الفصل 12 م م م ت إذا كان الأمر يتعلق بتحقيق حجية الدليل المطروح على المحكمة".

وفي قرار آخر أكدت محكمة التعقيب على أنه "لا يعد من قبيل تكوين حجج المتقاضين في شيء الاستجابة لطلب إجراء بحث عيني بل إنه من أوكد واجبات المحكمة وإن هذا الاتجاه لا يتنافى مع أحكام الفصل 12 م م م ت. كما اعتبرت محكمة التعقيب أنه "للمحكمة في نطاق حقها في كشف الحقيقة أن تأذن من تلقاء نفسها بإجراء اختبار ولا يعد ذلك سعيا منها لتكوين حجة الخصم وعملها لا يعد خرقا للفصل 12 م م م ت" .

وهو ما كرّسه المشرع الفرنسي في المادة 8 م م م الذي يجيز للقاضي "دعوة الأطراف لمده ببعض التوضيحات المتعلقة بالوقائع الضرورية لحل النزاع". إنّ حسم الامر وتحديد حقيقة دور القاضي في النزاع المدني أمر على غاية من الأهمية. لأن طبيعة الدور الذي يؤديه سيساهم بصفة جوهرية في تكييف عملية البحث والكشف عن الحقيقة التي يكرسها الحكم القضائي.

فهل هي حقيقة موضوعية أقرّها القاضي بعد تأكده شخصيا من وجودها؟ أم أنها مجرد حقيقة ذاتية اعتمدها القاضي لأن صاحبها تمكن من إثباتها فقط لا غير؟

و الإجابة عن هذا التساؤل ليس بالأمر الهين خاصة وأن مادة الإجراءات المدنية تتجاذبها العديد من المبادئ المتداخلة والمتشابكة يؤدي الخوض في أي منها إلى التطرق حتما للبقية لهذا فإن الإجابة تكون عبر الإجابة عن الإشكالية التالية:

ما هو الدور الحقيقي لكل من القاضي والأطراف في النزاع المدني؟ وتحديدا معرفة إلى أي مدى أقرت القانون التونسي دورا ايجابيا للقاضي في النزاع المدني؟

وللإجابة عن ذلك سنتعرض أولا إلى تكريس الدور الايجابي للقاضي المدني.)الجزء الأول( لنمرّ بعد ذلك إلى بيان مظاهر الدور الايجابي للقاضي في النزاع المدني. (الجزء الثاني).

الجزء الأول – تكريس الدور الايجابي للقاضي في النزاع المدني:

تخضع الخصومة القضائية لجملة من الأحكام والقواعد الإجرائية تهدف جميعها إلى تحديد دور كل من القاضي والأطراف أثناء مرحلة تحقيق الدعوى، وهذه القواعد والأحكام يمكن حصرها في اتجاهين متباينين هما : النظام الإدعائي. النظام الاستقرائي. ففي النظام الإدعائي يكون القاضي بمثابة الحكم الذي لا يبحث بنفسه عن الحقيقة أي أنه يرتكز على مبدأ حياد القاضي الذي لا يتدخل في الخصومة الدائرة أمامه، وإنما يراقب فقط تهيأة المتقاضين للقضية وجمع الأدلة المثبتة لحقوقهم، فالأطراف هم الذي يسيرون الإجراءات . ورغم اندثار النظام الادعائي في القضاء الجزائي فإنه بقي معمول به في النزاعات المدنية على اعتبار أنها لا تتعلق إلا بالمصالح الخاصة، وبالتالي فلا يمكن لعون السلطة العامة أن يتدخل في العلاقات الخاصة وعليه فقط أن يكون على ذمة المتقاضين الذي يملكون حرية تامة في تسير نزاعاتهم حسب مصالحم . فالدعوى في هذا النظام تتحول إلى شكل من "المبارزة" بين الخصمين يحددان فيها بأنفسهما بدء النزال ويستفيد كل منهما من أخطاء الآخر. أما الحاكم فإنه يقف متفرجا أكثر منه موجها لأنه يصبح حكما لمباراة وليس موظف عمومي أنيطت به إدارة مرفق عام ومن هذا المنطلق أصبح دور القاضي سلبيا في النزاع المدني إلى درجة تشبيهه بالآلة التي تزود بمواد القضية لتخرج حكما" .. وبرز هذا النظام بالخصوص خلال القرن 19 نتيجة للأفكار التحررية التي سادت أنذاك، وقد كان هذا التصور الصارم لدور القاضي نتيجة للنزعة التحررية التي سادت بالخصوص في القرن التاسع عشر وتجسم هذا الاتجاه في مجلة المرافعات المدنية الفرنسية القديمة لعام 1806 التي حدد دور القاضي فقط في التدخل عندما تظهر صعوبات إجرائية أثناء الدعوى . أما النظام الاستقرائي فلقد بدأ بالظهور في أواخر القرن 19 على إثر الانتقادات التي وجهت إلى النظام الدعائي والمتمثلة خاصة في أنه يساعد بعض المتقاضين على القيام بمناورات لربح الوقت وتعطيل سير القضاء والابتعاد عن الحقيقة الموضوعية.

فالقاضي في هذا النظام يخرج عن دور الحكم ليلعب دورا في البحث عن الحقيقة بنفسه، فالقضاء مرفق عام يسعى إلى إرجاع وإقرار المشروعية الموضوعية، لذا فمن الطبيعي أن يتدخل القاضي في تسيير الخصومة وخاصة إجراء الأبحاث في نطاق تهيئة القضية للحكم. فالحياد لا يعني الجمود والسلبية باعتبار أن السلبية تتنافى والوظيفة القضائية التي ترمي إلى تحقيق العدل والمساواة بين أفراد المجتمع. ولقد اعتمد هذا النظام في عدة قوانين إجرائية مثل مجلة المرافعات الألمانية لعام 1877 والنمساوية لعام 1895، ويعتبر قانون المرافعات المدنية التونسي لسنة 1910 الصادر في 24 ديسمبر 1910 من أوائل التشريعات العربية المتأثرة بهذا الاتجاه الذي يجعل القاضي يقوم بدور إيجابي في تسيير الخصومة وتهيئة القضية للحكم . إلا أن المشرع التونسي بعد الاستقلال تراجع عن موقفه هذا عند إصداره لـ م م م ت لسنة 1959 التي تضمنت أحكاما تجسم اتجاها معاكسا تماما إلى أن وقع تنقيحها بموجب قانون غرة سبتمبر 1986 الذي أعاد من جديد ملامح النظام الاستقرائي الذي يعتبر تراجعا نسبيا عن مبدأ ملكية الدعوى للمتقاضين.

فهذا النظام ينبني على أفكار تتعارض مع إعطاء المتقاضين سلطة و مطلقة في النزاع المدني وذلك انطلاقا من مبررين أساسيين متكاملين يعتبران وجهين لحقيقة واحدة مفادها أن النزاع المدني لا يهم طرفيه فقط وهذين المبررين هما: - الصبغة الاجتماعية للنزاع المدني ( الفقرة الأولى). - التصور الجديد لحقيقة القضائية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى - الصبغة الاجتماعية للنزاع المدني:

يقوم المفهوم الكلاسيكي للنزاع المدني والذي كان سائدا بالخصوص في القرن 19 الذي تميز بظهور الاتجاهات الفردية التحررية، على أن الخصومة لا تهم سوى مصلحة المتنازعين ولا تعني المجتمع ولا النظام العام في شيء، ومهمة القاضي تنحصر في إنهاء النزاع حسب المعطيات التي يقدمها الأطراف. فغاية الخصومة ليست الكشف عن الحقيقة شأنها شأن الحرب التي لا تهدف إلى انتصار الحق. فالدعوى التي تتعهد بها المحكمة بطلب من المتقاضين تهدف أساسا إلى المطالبة بحقوق ذاتية لا تهم إلا المتنازعين الذي لا يرغبون إلا في كسب القضية واستصدار أحكام لصالحهم مستعملين في سبيل ذلك كل الوسائل والدفوعات، بينما يكون دور القاضي سلبيا إن لم يكن منعدما فالدعوى ملك لأطرافها يشكلون بنيانها الواقعي والقانوني ويسيرونها بالطريقة التي تخدم مصالحهم دون أن يكون للمحكمة سلطان عليهم في ذلك فالقاضي ليس إلا حكما يراقب النزاع ويسجل الأهداف . كما أن الحقيقة التي تقرها المحكمة حسما للنزاع هي حقيقة نسبية من صنع المتقاضين أكثر مما هي من عدل القاضي الذي يقتصر دوره على مشاهدة المبارزة والإعلان عن الفائز الذي قد لا يكون بالضرورة صاحب الحق، فيصبح القاضي أقرب إلى الحكم منه إلى مكلف بتحقيق العدالة وإنصاف المظلومين، فهو لا يقضي انطلاقا من قناعة باطنية شخصية بل لأن مجموع الحجج المدلى بها أمامه خلقت يقينا مفترضا أعطى الحق لأحد الطرفين.

غير أن هذا المفهوم للنزاع المدني لا يخلو من شطط إذ أنه ولئن كانت المصالح الخاصة هي محور الدعوى المدنية باعتبارها تهدف إلى تحقيق الحقوق الذاتية أو المحافظة عليها فإن أصحاب تلك الحقوق هم في الحقيقة خلية من خلايا المجتمع وما المصلحة العامة إلا مجموع المصالح الخاصة باعتبارها العناصر المكونة لها وأن أي مس بحقوق أفراد المجتمع يشكل نيلا من المصالح الجماعية .

وبما أن القاضي يستمد نفوذه من القانون، ويقوم بوظيفته بتفويض من الدولة، فإن حكمه هو عمل قضائي يجب أن يكون مطابقا للحقيقة الموضوعية، ولبلوغ هذه الحقيقة لا بد من إعطاء القاضي نفوذا وصلاحيات تساعده عن الكشف عنها وتخليصه من قيود الحياد السلبي، فالحياد المفروض عليه لا يجب أن يفسر بالسلبية إذ لا يمكن أن نعتبر أن الحياد يتعارض مع ما للحاكم المدني من أهداف لبلوغ العدالة المثالية . فالخصومة ليست مجرد مبارزة قضائية

المزيد


شهادة متهم على متهم

آذار 11th, 2008 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون

تقديم:

يهدف الإثبات في القضايا الجزائية إلى إظهار الحقيقة ، إذ لا يعقل إنزال عقوبة بمتهم دون ثبوت: أولا- وجود جريمة، وثانيا- إسناد تلك الجريمة ماديا ومعنويا إليه.

فموضوع الإثبات في المادة الجزائية يطال وجود الجريمة في حد ذاتها وتوفر أركانها في حق المظنون فيه. وتوجد بالنسبة للإثبات الجزائي نظريتان وهما نظرية "حرية الإثبات" ونظرية "الإثبات المقيد"، وتعتبر مجلة الإجراءات الجزائية التونسية الصادرة بموجب القانون عدد 23 لسنة 1968 المؤرخ في 24/7/1968 من بين القوانين المكرسة مبدئيا لنظرية الإثبات الحر.

إذ نص المشرع بالفقرة الأولى من الفصل 150 م ا ج على أنه "يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، ويقضي الحاكم حسب وجدانه الخالص…" . ويلاحظ من خلال أحكام الفصل المذكور أن المشرع ربط مبدأ حرية الإثبات بمبدأ ثان لا يقل عنه أهمية في المادة الجزائية وهو مبدأ وجدان القاضي الذي أقر كضمانة لعدم التعسف وكقيد على الإفراط في حرية الإثبات فالقاضي الجزائي هو الضامن للمحافظة على التوازن بين مصلحة المجتمع وحقوق المظنون فيه . و يقتضي مبدأ وجدان القاضي أو ما يسمى كذلك "القناعة الشخصية" أن يكون للقاضي سلطة تقديرية كاملة في وزن قيمة كل دليل على حدا فيأخذ من الأدلة ما تتحقق به قناعته ويطرح جانبا ما لا تركن إليه قناعته الشخصية. وقد عبرت محكمة النقض المصرية منذ زمن بعيد عن ذلك بالقول:"إن القانون أمد القاضي في المسائل الجنائية بسلطة واسعة وحرية كاملة في سبيل تقصي ثبوت الجرائم أو عدم ثبوتها والوقوف على حقيقة علاقة المتهمين ومقدار اتصالهم بها ففتح له باب الإثبات على مصراعيه يختار من كل طرقه ما يراه موصلا إلى الكشف عن الحقيقة ويزن قوة الإثبات المستمدة من كل عنصر بمحض وجدانه فيأخذ بما تطمئن إليه عقيدته ويطرح ما لا ترتاح إليه غير ملزم بان يسترشد في قضائه بقرائن معينة بل له مطلق الحرية في تقدير ما يعرض عليه منها ووزن قوته التدليلية في كل حالة حسبما يستفاد من وقائع كل دعوى وظروفها وهو يبغي الحقيقة وينشدها أنى وجدها ومن أي سبيل يجده مؤديا إليها و لا رقيب عليه في ذلك غير ضميره وحده" . ومن الملاحظ أن مبدأ "القناعة الشخصية" يجعل من القاضي "سيدا مطلقا Un maître absolu " في مجال تقييم الأدلة. وتعد الشهادة من أهم أدلة الإثبات التي يعتمد عليها القضاء في المادة الجزائية باعتبار أن الجرائم ما هي إلا وقائع مادية لا يتصور فيها تحضير وسائل الإثبات بصفة مسبقة كما هو الحال بالنسبة للتصرفات القانونية. ولئن كانت الشهادة هي الوسيلة الأكثر اعتمادا في القضاء الجزائي فإنه تبقى دليلا مشكوكا فيه دائما لما يشوبه من ملابسات ولما يعتريه من أبعاد ذاتية، إذ من الصعب تصور أن يكون الشاهد قادرا على تخليص تصريحاته من بعدها الذاتي المرتبط ضرورة بمدى دقة وسلامة حواسه ومتأثرا لا محالة بالعوامل النفسية المحيطة بشخصيته وهي أمور تحول دون إمكانية القبول بأن تكون شهادة الشاهد الواحد دليل إدانة مقبولا قانونا خاصة إذ كان هذا الشخص بدوره موضع اتهام في القضية المشهود فيها من طرفه وهو ما بات يعرف "بشهادة متهم" على متهم أي نسبة أمر من متهم إلى متهم آخر. وهي مسألة غير مقننة إذ لا يوجد فيها نص خاص في مجلة الإجراءات الجزائية لكن فقه القضاء يميل إلى قبولها واعتمادها ولو كانت مجردة عن أي دليل آخر. ورغم اتفاق الفقه وفقه القضاء على تسمية ما يصدر عن متهم من تصريحات "شهادة" إلا أن هذه التسمية تفتقر إلى الدقة لأن من شروط الشهادة الجوهرية أن تصدر عن شخص ليس طرفا في القضية وبعد أداء اليمين وهو ما يعد أمرا مفقودا في تصريحات متهم ضد متهم. فهل من الممكن اعتبار "شهادة متهم" على متهم دليل إدانة مقبولا قانونا؟ إن الإجابة المنطقية عن مثل هذا التساؤل ستكون حتما بالنفي اعتمادا على جملة من المبررات(1) التي تسمح بالقول ان تلك "الشهادة"لا تصلح كدليل من أدلة الإدانة ما لم تتوفر فيه جملة من الشروط (2).

void(0); rel=nofollow name=.D8.A7.D9.84.D8.AC.D8.B2.D8.A1_.D8.A7.D9الجزء الأول- مبررات عدم جواز الاكتفاء بـ"شهادة متهم" لتأسيس الإدانة.

وهذه المبررات متعددة ومتنوعة يمكن تقسيمها إلى مبررات مستمدة من حقوق المتهم(1-1) وأخرى ترجع إلى القواعد العامة للإثبات(1-2).

 الفقرة الأولى- المبررات المستمدة من الحقوق الممنوحة للمتهم.

إن الشهادة هي من اخطر وسائل الإثبات وأكثرها إثارة للريبة خاصة عندما تكون صادرة عن متهم أدلى بها دون أداء اليمين ومن الممكن أن يكون قد ضمنها معلومات غير صحيحة وكاذبة نظرا وانه يتمتع بحق الكذب لذلك فلا بد من إحاطة تصريحات المتهم بجملة من الضمانات الكفيلة بأن تجعل منها دليل إثبات مقبولا قانونا. فالاتهام وان كان وسيلة إدانة أساسا إلا انه وفي نفس الوقت يمثل وسيلة دفاع بما يمنحه للمتهم من ضمانات لعل أهمها عدم أداء اليمين وعدم الإجابة إلا بحضور محام وحقه في الصمت وعدم الإجابة أصلا وإتاحة الفرصة له في إبعاد التهمة عنه وإذا أبدى أدلة تنفي عنه التهمة فإنه يقع البحث عن صحتها في اقرب وقت(الفصول 69 و72 و74 م اج). ومن المفروض أن جملة هذه الحقوق التي يتمتع المتهم بها تضعف الثقة فيما يصدر عنه من تصريحات وخاصة:

void(0); rel=nofollow name=1-_.D8.B9.D8.AF.D9.85_.D8.AD.D9.84.D9.81 1- عدم حلف اليمين قبل الإدلاء بتصريحاته.

إن كل شخص يمثل أمام القضاء ويقف في ساحة العدالة للإدلاء بشهادة ينبغي أن يحلف اليمين قبل تأديتها وكل شهادة لا تكون مسبوقة بيمين لا تعد دليلا قانونيا والعلة من فرض وجوبية أداء اليمين قبل الإدلاء بالشهادة تكمن في حمل الشاهد على الإدلاء بشهادته بصدق وأن يقول حقيقة ما يعرف دون تحريف أو زيادة أو نقصان فإرادة المشرع واضحة في إحاطة الشهادة وما يترتب عليها من آثار بحد أدنى من الضمانات كي تكون صحيحة ومنتجة لآثارها.

void(0); rel=nofollow name=2-_.D8.A7.D9.84.D8.AD.D9.82_.D9.81.D9.8A2- الحق في الكذب

و استخدام جميع الوسائل لدفع التهمة عن نفسه حتى وان كان ذلك عن طريق توريط الغير.فالمتهم هو شخص محل تتبع من قبل القضاء وهو ما قد يدفعه إلى إنكار الحقيقة و تقرير ما يخالفها أي الكذب خاصة وانه لا يمكن أن يكون محل تتبع من أجل الشهادة الزور وذلك لأنه لا يحلف اليمين من جهة ومن جهة أخرى لأن وصفه بالشاهد هو وصف مجازي وغير صحيح باعتبار أنه طرف في القضية. إن الأخطاء القضائية الناتجة عن الأخذ بشهادة خاطئة أو كاذبة تقتضي وجوبا من القاضي أن يفحص ويحلل الشهادة قبل اعتمادها في إصدار الأحكام التي من المفترض أنها عنوان الحقيقة وتتمتع بحجية ما اتصل به القضاء وهذه الصفات لا يمكن أن يتمتع بها حكم قائم على دليل وحيد هو تصريحات متهم وصفت خطأ بكونها شهادة.

الفقرة الثانية- مبررات مستمدة من القواعد العامة للإثبات.

يخضع الإثبات في المادة الجزائية لجملة من المبادئ التي يحول تطبيقها دون إمكانية القبول بـ"شهادة متهم" على متهم كدليل وحيد للإدانة.

void(0); rel=nofollow name=1-_.D9.85.D8.A8.D8.AF.D8.A3_.D8.AA.D8.B61- مبدأ تضافر الأدلة:

من يقرأ بإمعان أحكام فصول مجلة الإجراءات الجزائية تتبدى له العناصر الواجبة الوجود للحكم بالإدانة وهي ضرورة توفر الأدلة والقرائن والحجج. فالفصل 85 م اج ينص صراحة على أن الإيقاف التحفظي يستوجب وجود قرائن قوية. كما أن الفصل 104 من نفس المجلة ينص على أن قرار ختم البحث يجب أن يتضمن < <وجود أو عدم وجود أدلة كافية على الفعلة المذكورة>. وهو ما ورد كذلك بالفصل 106 من نفس المجلة الذي ألزم قاضي التحقيق أن يتخذ قرارا بان لا وجه للتتبع إذا كانت الحجج القائمة على المظنون فيه غير كافية. كما جاء بالفصل 116 م اج انه إذا رأت دائرة الاتهام انه < < لم تقم على المظنون فيه أدلة كافية تصدر قرارها بان لا وجه للتتبع ... وإذا كانت هناك قرائن كافية على اتجاه التهمة تحيل الدائرة....>. وبالرجوع إلى الفصل 121 م اج يلاحظ انه يمكن استئناف التحقيق إذا ظهرت أدلة جديدة . وتتويجا لجملة هذه الفصول جاء بالفصل 151 م اج انه < < لا يمكن للحاكم أن يبني حكمه إلا على حجج قدمت أثناء المرافعة ...>. ومن الملاحظ أن المشرع في جميع الفصول السابق بيانها والمتعلقة بإثبات الجرائم يستخدم صيغة الجمع عند الإشارة إلى الأدلة والقرائن والحجج التي ثبتت بها الجريمة . مما يعني أن تأويل أحكام الفصل 150 م اج على ضوء النصوص السابقة سيؤدي حتما إلى القول بأن المقصود بالفقرة الثانية من الفصل المذكور والتي جاء فيها < < وإذا لم تقم الحجة ، فانه يحكم بترك السبيل> هو الحالة التي لا توجد فيها أدلة وقرائن قوية ومتضافرة ومتماسكة على ثبوت الإدانة. فجملة النصوص المشار إليها سابقا تدل دلالة واضحة على أن نظام الاقتناع الشخصي المكرس بالفصل 150 م ا ج يعتمد في جوهره على تضافر الأدلة القانونية المرجحة للإدانة والمؤدية إليها منطقيا. كما أن تلك النصوص حددت للقاضي الجزائي الأسس الواجب اعتمادها إذا أراد الحكم بالإدانة وهي: -أن يكون الفعل المسند إلى المتهم أو المظنون فيه ثابتا.

-أن تكون هناك حجج أو قرائن او أدلة كافية ضده والمقصود بالكفاية هنا أن تكون وسائل الإثبات قاطعة وجازمة بحق المتهم أو المظنون فيه. فالإدانة لا يجوز أن تكون إلا بناء على أدلة ساطعة ودامغة وأكيدة وحازمة لا شك فيها باعتبار أن الأدلّة في المادّة الجزائيّة متساندة يكمل بعضها الآخر ومنها مجتمعة يكوّن القاضي عقيدته، وهو ما يعرف بمبدأ تساند الأدلّة وتضافر القرائن والذي يعتبر من المبادئ الأساسيّة التي تحكم قانون الإجراءات الجزائيّة . وهو ما أكدته محكمة التعقيب حين أعتبرت أن : "ما ورد بالمطعن من أنّ المحكمة كان عليها البحث عن البراءة إنّما هو مردود من أصله إذ البراءة مفترضة في المتّهم حتى تقوم الأدلّة المعاكسة التي من شأنها إقناع وجدان القاضي الجزائي بإدانته" . وبالتالي فإن قناعة القاضي الجزائي سواء بالإدانة أو البراءة يجب أن تبنى على دليل قويّ يؤدي إلى تلك النتيجة بدون أن يترك أي مجال للشكّ فيها، اعتمادا على مبدأ تضافر الأدلّة والقرائن. ويستخلص من جملة ما سبق بسطه أن التصريحات المجردة الصادرة عن متهم ضد متهم لا يمكن أن تعد دليلا قانونيا طبق أحكام مجلة الإجراءات الجزائية.

void(0); rel=nofollow name=2-_.D9.85.D8.A8.D8.AF.D8.A3_.D8.A7.D9.84 2- مبدأ الأصل في الإنسان البراءة:

إن التأويل السابق لفصول مجلة الإجراءات الجزائية المتعلقة بقواعد الإثبات يتلاءم وأحكام الفصل 12 من الدستور الذي نص صراحة على انه"… يعتبر المتهم بريء ما لم تثبت إدانته في محاكمة عادلة…" فقرينة البراءة المكرسة دستوريا لا يمكن دحضها إلا بالأدلة والحجج القاطعة والقرائن المتضافرة فهي من المبادئ الجوهرية التي تفرض ذاتها على القضاء بحيث لا يجوز للقاضي تجاهلها أو الامتناع عن تطبيقها. و إن تسلسل المبادئ القانونية يجعل قرينة البراءة في مكانة أسمى من مبدأ القناعة الشخصية وبالتالي لا يقبل أن يقتنع القاضي بسقوط قرينة البراءة لمجرد تهمة ساقها متهم في وجه أخر جزافا دون دليل حسي ساطع، دامغ وجازم. و المحاكمة لا يمكن أن تكون عادلة إذا كانت مجرد «شهادة متهم» على متهم حجة قاطعة لا تقبل النقاش أو الدحض وكافية للتصريح بالإدانة وتسليط العقاب.

void(0); rel=nofollow name=3-_.D9.85.D8.A8.D8.AF.D8.A3_.D8.A7.D9.84 3- مبدأ الشك يفسر لمصلحة المتهم:

للتصر


المزيد


الجريمة المثارة ومشروعية إجراءات التتبع والمحاكمة

آذار 11th, 2008 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون

 تعليق على القرار التعقيبي الجزائي عدد 49182 مؤرخ في 23 مارس 2004[1] و القرار الجزائي عدد 7163 الصادر بتاريخ 26/1/2006 عن محكمة الاستئناف بتونس[2]

 أولا: تلخيص الوقائع:

تتلخص وقائع القضية التي صدر فيها القرار التعقيبي المذكور أعلاه في أن أعوان فرقة مكافحة المخدرات وأثناء استجوابهم احد المتهمين ( وهو المدعو و) اعترف بأنه تزود بالمادة المخدرة من شخص أخر(المدعو خ) ولغاية إلقاء القبض على هذا الأخير نصب له كمين وتم إلقاء القبض عليه وبحوزته مادة مخدرة اعترف بدوره انه اقتناها من شخص ثالث (المدعو م) ولضبط هذا الشخص قام احد أعوان الأمن بالتوجه اليه برفقة المقبوض عليه الثاني لشراء مادة المخدر فتصادف وجود شخص أخر بصدد اقتناء نفس المادة وهو (المدعو س) إلا أن بعض متساكني المنطقة نبهوا (المدعو م) إلى وجود اعوان الامن فلاذ بالفرار وتخلص من قطعة المخدر فأحيل جملة المتهمين على الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس فقضت عليهم بالسجن مددا مختلفة فطعنوا بالاستئناف وتمسك دفاع (المدعو س) بعدم مشروعية الإجراءات لاستخدام أعوان الأمن احد المتهمين كطعم للإيقاع بالبقية في كمين إلا أن محكمة الاستئناف لم تلتفت إلى هذا الدفع وأقرت حكم البداية من حيث مبدأ الإدانة فطعن دفاع المتهم بالتعقيب وتمسك ببطلان الإجراءات.

أما وقائع القرار الاستئنافي فهي تتمثل في بلوغ معلومات إلى أعوان الفرقة المركزية لمكافحة المخدرات حول تورط شخص (المدعو س) في ترويج مادة مخدرة صحبة شقيقه (المدعو ح) وشخص ثالث (المدعو و) وذلك بجهة المروج وحمام الشط.فقام أحد أعوان الفرقة بالاتصال بالمدعو( س) هاتفيا والاتفاق معه على موعد يوم 15/7/2004 على الساعة الثامنة ليلا بمأوى سيارات وفي الموعد قدم المدعو (س) صحبة (المدعو أ) وتم أركابهما في سيارة والتأكد من وجود المخدر بعد عرضه على المشترين الذين لم يكونوا سوى أعوان الأمن فتم إلقاء القبض عليهما و حجز كمية من المخدرات.

من خلال وقائع هاتين القضيتين فإن السؤال المطروح هو هل من حق أعوان الضابطة العدلية استخدام أي وسيلة بما في ذلك الخداع أو التحريض للإيقاع بالمظنون فيهم عن طريق استثارت الجرائم أم أن عملية البحث والتتبع مقيدة بقاعدة النزاهة في البحث عن الأدلة؟


 ثانيا: مبدأ القرارين:

1- مبدأ القرار التعقيبي:

< <إن محامي الطاعن تمسك لدى محكمة القرار ببطلان إجراءات التتبع استنادا إلى ما ثبت من استعمال باحث البداية لأحد المتهمين وهو (المدعو خ) للإطاحة واستدراج باقي المظنون فيهم للإيقاع بهم في قضية الحال والتي تعتبر من قبيل الجريمة المثارة باعتبار وان الباحث هو الذي عمل على إثارة عملية الاتجار في المادة المخدرة بإيعازه للمتهم (المدعو خ) للمطالبة بشراء المادة وهو ما يتجاوز المأمورية التي أناطها المشرع بعهدته والمتمثلة في معاينة الجرائم لا إثارتها والتحريض على وقوعها... وحيث لم ترد محكمة الأصل على هذا الدفع الشكلي رغم أهميته وتأثيره على وجه الفصل في القضية هذا علاوة عن تعلقه بالنظام العام بما يعيب القرار المنتقد بضعف التعليل وهضم حقوق الدفاع...>.


 2- مبدأ القرار الاستئنافي:

< < وحيث ومن جهة أخرى وما تمسك به لسان الدفاع من بطلان الإجراءات فإن الجريمة الموجهة لا تكون متوفرة إلا إذا كان ركنها المعنوي موجها من طرف الباحث أما إذا كان هذا الركن موجودا من قبل بذهن الجريمة الجاني واقتران بفعل مادي وذلك بان خطط لاقتناء المادة المخدرة وأخذ يبحث عن المشتري وذلك بغرض الاتجار و إن دور الباحث الابتدائي اقتصر دوره على الإيقاع بالمتهم عبر حثه على الظهور والتعرف عليه دون ان يكون في ذلك تأثير على إرادة المتهم >.


 ثالثا: الملاحظات :

إن أول ما يمكن ملاحظته على القرار التعقيب هو أن محكمة التعقيب ورغم اتخاذها موقف ايجابيا وسليما من الناحية القانونية إلا أنها وللأسف لم تنقض القرار الاستئنافي لخرقه القانون وإنما فقط لضعف التعليل و هضم حقوق الدفاع وهي أمور شكلية لا جوهرية رغم أن الأمر يتعلق بجوهر أعمال البحث والتحقيق ومشروعية الحصول على الدليل.

وعلى كل حال فإن هذه النقطة وإن كان من شأنها أن تحد من قيمة القرار التعقيبي محل الملاحظة إلا أنها لا تفقده كل قيمة خاصة وأن محكمة الاستئناف بتونس في قرارها المذكور أعلاه[3] تعتبر أن اللجوء إلى إثارة الجريمة من طرف باحث البداية أمر مشروع اعتمادا على أن الجريمة بركنها المعنوي كانت متوفرة قبل إثارتها من طرف الباحث في ذهن الجاني و اقتصر دور الباحث الابتدائي على الإيقاع بالمتهم عبر حثه على اقتراف الركن المادي و الظهور للتعرف عليه وهذا ليس له أي تأثير على إرادة المتهم.

وأمام مثل هذا التعليل لقضاة الأصل فإن موقف محكمة التعقيب كان من المستوجب أن يكون أكثر وضوحا وتركيزا على الأصل لا على الشكل بالنظر إلى أن النصوص القانونية والقواعد الدستورية تحول دون إمكانية الركون إلى دليل تم الحصول عليه بطريقة تخلو من أبسط قواعد النزاهة والمشروعية خاصة وأن النصوص القانونية ضبطت بدقة دور أعوان الضابطة العدلية (الجزء الأول) كما أن قرينة البراءة المكرسة دستوريا تستوجب النزاهة في البحث عن الأدلة (الجزء الثاني).


الجزء الأول: دور أعوان الضابطة العدلية البحث عن الأدلة لا خلقها:

حدد المشرع في الفصل 9 م ا ج مهام الضابطة العدلية بأنها :< <مكلفة بمعاينة الجرائم وجمع أدلتها والبحث عن مرتكبيها وتقديمهم للمحاكم ما لم يصدر قرار في افتتاح بحث>.

و يتضح من هذا الفصل ان أعوان الضابطة العدلية لا حق لهم في خلق جريمة بناء على شكوك وذلك من خلال تحريض شخص وإقناعه باقتراف ممنوع.

وإن حصل وقام أعوان الضابطة العدلية بخلاف ذلك فإنهم في الحقيقة يخلقون فكرة الجريمة في ذهن المتهمين ويحثونهم من خلال إغرائهم بالمال والربح الوفير على سلوك مسلك الإجرام. وتزداد مخالفة القانون عظما عندما يكون الشخص محل التحريض نقي السوابق العدلي وليس له أي ملف إجرامي يبرر تحريضه فغياب السوابق الإجرامية يجعل أي تعليل سيصدر عن محاكم الأصل بان أعوان الضابطة انما فقط أثاروا الركن المادي في حين أن الركن المعنوي كان قائما في ذهن المظنون و ما قام به أعوان البحث هو حثه على الظهور فقط. لا يمكن التسليم به على اعتبار أن النفس أمارة بالسوء وإغراء المال والطمع في الثروة السريعة وهي أمور من شأنها أن تسهل اقتناع عديد الأشخاص بالقيام بفعل غير مشروع وبالتالي سلوك مسلك الجريمة وتزداد هذه السهولة عندما يكون الشخص محدود التعليم وعاطلا عن العمل كما هو حال العديدين فيسهل إقناعه بالقيام بأعمال غير مشروعة خاصة عندما يؤمن له الطريق و يزين أمامه بالمال الوفير والثروة السهلة السريعة.ويكون عندها أعوان الضابطة العدلية قد تجاوزوا مسألة حث المجرم على الظهور ليصل الأمر حد دفعه نحو الجريمة وتزينها في ذهنه وحثه نحو التفكير فيه والقيام به. فيكونون والحال ما ذكر هم من خلق الجريمة بركنيها المادي والمعنوي ودفعوا بشخص بريء متمتع بقرينة البراءة الدستورية نحو اقترافها بغاية الإيقاع به. وعنده فمن المفروض أن يكون الوصف القانوني السليم لما قام به أعوان الضابطة العدلية هو أنهم ارتكبوا جريمة المشاركة السابقة على معنى الفقرة الأولى من الفصل 32 م ج الذي يجرم كل فعل يتمثل في حث الفاعل على القيام بجريمة من خلال العطايا والمواعيد. و لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعتبر فعل إجرامي وسيلة مشروعة في البحث عن الأدلة.

وعلاوة عما سبق فإنه من الثابت ان أعوان الضابطة العدلية

المزيد


تصنيف الجرائم

شباط 1st, 2008 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون

توجد اليوم أعداد كبيرة من الجرائم وهي موزعة بين فصول المجلة الجنائية والكثير من النصوص القانونية الخاصة وكل نص يحدد أركان الجريمة وعقابها وأحيانا صفة الفاعل.

وأمام كثرة الجرائم وازديادها المستمر كان لابد من البحث عن معايير عامة تحدد النظام القانوني لكل مجموعة من الجرائم.

لذلك اقترح الفقهاء عدة تصنيفات انطلاقا من أركان الجريمة حيث يوجد تصنيف انطلاقا من كل ركن من أركان الجريمة الثلاثة(مبحث ثاني). لكن المشرع اعتمد تصنيفا واحدا هو التصنيف الثلاثي للجريمة(مبحث أول).

المبحث الأول: التصنيف التشريعي للجرائم

إن التصنيف الأشهر والأبرز للجرائم هو التصنيف الثلاثي للجريمة، باعتبار وأن هذا التصنيف معروف في الكثير من التشريعات المقارنة التي بدأت باعتماده منذ بدايات القرن 19 الى درجة أصبح معها هذا التصنيف من أهم المحاور التي تدور حولها أغلب أحكام القانون الجنائي بمعناه الواسع جدا أي بشقيه الإجرائي والموضوعي معا.  فالغاية من جميع أنواع التصنيف كانت تتمثل أساسا في جمع أكبر عدد ممكن من الجرائم في إطار صنف معين وإخضاعها لنفس القواعد بقصد تحديد نظامها القانوني بسهولة وبمجرد ذكر الصنف الذي تنتمي اليه الجريمة.وقد أقر المشرّع التونسي هذا التصنيف منذ إصدار المجلة الجنائية، في 1913 بالفصل 14 ق.ج وأعاد التأكيد عليه عند إصدار مجلة الإجراءات الجزائية بالفصل 122. والفارق بين الفصلين هو أن الفصل 14 يعتمد العقوبة السجنية فقط في حين أن الفصل 122 يعتمد سلم العقوبات الاصلية الوارد في الفصل 5 م ج ( ـ إعدام ـ سجن ـ خطية).

فالفصل 14 اعتمد معيارا واحدا هو العقوبة السجنية فقط ولكن توجد عقوبات أخرى ما هو تصنيف الجرائم المعاقبة بها ؟ الإجابة نجدها في الفصل 122 م.أ.ج. الذي قسم الجرائم حسب مختلف العقوبات الأصلية (لا عبرة بالعقوبات الفرعية).

فمعيار التقسيم إذا هو العقوبة المقررة للجريمة وليس طبيعة الحق المعتدى عليه وليست صفة القائم بالفعل وليست درجة الضرر لهذا وجه انتقاد لهذا التقسيم بأنه كان على المشرّع أن يضيف الجرائم حسب جسامة كل جريمة ولكن هذا مردود عليه بأن المشرّع لم يصنف الجريمة ويحدد لها عقوبتها إلا بعد أن قدر جسامتها ونظر اليها من كافة جوانبها وعناصرها وبعد ذلك وضع معيارا واضحا سهل التطبيق للتمييز بين مختلف الجرائم وهو نوع أو مقدار العقوبة المقررة. ويمكن القول أن هذا التصنيف الثلاثي هو الغالب اليوم في أغلب التشريعات المقارنة وكذلك في التشريع التونسي.  وإذا فإن تنوع العقوبة هو الذي يدلنا على نوع الجريمة، فإذا أردنا أن نعرف الصنف الذي تنتمي اليه جريمة ما فلابد من أن ننظر الى العقوبة التي اقرها المشرّع لتلك الجريمة.

الفرع الأول:ـ اعتماد المشرع تصنيفا ثلاثيا للجريمة:

يمكن القول أن المعيار التشريعي مبني على عنصر العقوبة وهو ما جعله عرضة للانتقادات لذلك لابد من دراسة محتوى المعيار التشريعي (فقرة أولى) للمرور بعد ذلك نحو معرفة مدى دقته (فقرة ثانية).

الفقرة الأولى: محتوى التصنيف الثلاثي:

ـ جاء بالفصل 14 م.ج حسبما أعيدت صياغته سنة 2005 (نقح بالأمر المؤرخ في 15 سبتمبر 1923)ينص على أنه: "ضبطت بخمسة أعوام أدنى عقوبة السجن في الجرائم التي يعتبرها القانون جناية على معنى الفصل 122 من مجلة الإجراءات الجزائية وبستة عشر يوما في مادة الجنح وبيوم واحد في مادة المخالفات واليوم أربع وعشرون ساعة والشهر ثلاثون يوما"..

ـ جاء بالفصل 122 م.أ.ج"(حسبما نقح بالقانون عدد 23 لسنة 1989 المؤرخ في 27 فيفري 1989) الذي جاء أكثر دقة ووضوح و شمولا لكل أنواع العقوبات الأصلية: :"توصف بجنايات على معنى هذا القانون الجرائم التي تستوجب عقابا بالقتل أو بالسجن لمدة تتجاوز خمسة أعوام. وتوصف بجنح الجرائم التي تستوجب عقابا بالسجن تتجاوز مدته خمسة عشر يوما ولا تفوق الخمسة أعوام أو بالخطية التي تتجاوز الستين دينارا. وتوصف بمخالفات الجرائم المستوجبة لعقاب لا يتجاوز خمسة عشر يوما سجنا أو ستين دينارا خطية".

فالفصل 14 يعتمد على العقوبة السجنية فقط. أما الفصل 122 فيعتمد على سلم العقوبات الأصلية الواردة بالفصل 5 م.ج.  أي أن الفصل 122 أعم وأشمل وأدق من الفصل 14 رغم أن كلاهما يعتمد على العقوبة، لكن أي عقوبة هل هي العقوبة الواردة بالنص أم العقوبة المقضي بها؟.

Ü العبرة بالعقوبة النصية لا المقضي بها من المحكمة.

ـ اعتمد المشرّع العقوبة الأصلية معيار التصنيف الجرائم ولم يعتمد وعلى طبيعة الحق المعتدى عليه ولا على صفة القائم الفعل ولا على درجة الضرر.

حيث جاء بالفصل المذكور ـ الجناية ـ الجنحة المخالفة.

ويكون المعيار معتمد هو العقوبة الواردة بالنص وليس العقوبة المقضي بها من المحكمة لأن المحكمة بإمكانه أن تطبق ظروف التخفيف وتنزل مثل بعقوبة الجناية لتطبق عقوبة جنحة أو أن تنزل بعقوبة جنحة لتطبيق عقوبة مخالفة ولكن يجب التمييز بين هذه الحالة التي لا تؤثر في تغيير وصف الجريمة والحالتين الآتيتين :

1 ـ حالة وجود ظرف تشديد خاص يقضي بترفيع العقاب من جنحة الى جناية (خيانة المؤتمن مثلا) فهل تبقى الجريمة جنحة أم تصبح جناية ؟ طالما أن المشرّع هو الذي عدل العقوبة بسبب وجود ظرف خاص فالجريمة تصبح جناية لأن العبرة في التصنيف هي العقاب المقرر للجريمة حسب الوصف الذي وصفه المشرّع بالنص الخاص بالجريمة.

2 ـ في صورة وجود ظرف تشديد عام أي العود يكون العقاب مضاعفا أحيانا مما يعني إمكانية انطباق عقاب مخصص للجناية على جنحة فهل يتغير وصف الجريمة؟ لا يتغير التصنيف لأنه لا عبرة بظرف العود اف 125 م.أ.ج العود  لا يغير مرجع النظر).

الفقرة الثانية ـ مدى دقة التصنيف الثلاثي :

وجه بعض الفقهاء انتقادا لاعتماد المشرّع على معيار العقوبة باعتبار أن المعيار الواجب اعتماده يجب أن يكون حسب جسامة كل جريمة ومدى خطورتها بدل الاعتماد على العقوبة.  ولكن هذا مردود عليه بأن المشرّع لم يصنف الجريمة ولم يحدد لها عقوبتها إلا بعد أن قدر جسامتها ومدى خطورتها ونظر إليها من كافة جوانبها وعناصرها ثم قدم لنا معيارا سهل التطبيق وهو نوع أو مقدار العقوبة.

 فهذا التصنيف في الحقيقة هو حصيلة جهد تشريعي لا نرى إلا نتيجته وهي اعتبار جريمة أما جناية أو جنحة أو مخالفة. ولكن هناك مع ذلك بعض الصعوبات التي يطرحها هذا التصنيف خاصة وأن المشرّع أحيانا لا يحترمه. فباستثناء عقوبة الإعدام التي خصصها المشرّع للجنايات فإن عقوبتي السجن والخطية عقوبتان مشتركتان بين أنواع الجريمة الثلاثة فكيف سنميز بينها؟ .

مبدئيا التمييز سيكون حسب مقدار العقوبة. ولكن ما هو الحل لو أن المشرّع وضع حدا أدنى يدخل في إطار المخالفة وحدا أقصى يدخل في إطار الجنحة فما هو وصف الجريمة جنحة أم مخالفة؟

فبعض الجرائم عقوبتها الخطية من 50 الى 1000 دينار أو من 50 الى 200 دينار أي أن حدها الأدنى مخالفة وحدها الأقصى جنحة فما هو الحل؟ مبدئيا الحل الراجح والمعمول به في القوانين المقارنة ويعتمده الفقهاء هو اعتماد الحد الأعلى في التصنيف. كما أن هذا التصنيف تعرض لانتقاد آخر لأنه يعتمد معيارا مجردا لا يراعي ظروف كل جريمة على حدة لذلك ظهر ما يسمى بالتجنيح الذي يعني التعامل مع الجنايات باعتبارها جنحا أي أن تخضع لأحكام وعقوبة الجنحة بدل عن أحكام وعقوبات الجناية وهذا التجنيح يتم بدون نص يسمح به إلا ما جاء بالفصل 69 م.ج.ط الذي سمح بتجنيح كل الجنايات ما عدا القتل، ويتم التجنيح بإهمال أو تجاهل بعض الظروف أو الصفات التي تجعل الجريمة جناية ويقع التعامل معها بوصفها جنحة وذلك إما مراعاة لظروف الفاعل (مبتدئ) أو لتفاهة الضرر.

    كما وجهت للتصنيف الثلاثي عدة انتقادات يمكن حصرها في :

1 ـ عدم منطقيته: فهل من المعقول أن نصف الجريمة استنادا الى الأثر المترتب عن اقترافها أي عقوبتها؟ أليس منطقيا أكثر أن نصنف الجرائم أولا بسبب طبيعتها أي جرائم شديدة الخطورة ومتوسط الخطورة ومحدودة الخطورة ونقول بأن الشديدة هي جناية ونحدد لها العقوبة الأشد ومتوسطة الخطورة هي الجنحة ونحدد لها العقوبة الأقل شدة ومحدودة الخطورة هي المخالفة ونحدد لها العقوبة الأخف؟ فالجريمة حسب المنتقدين يجب أن تأخذ وصفها من نفسها لا من العقاب المحدد لها.

ـ الرد : المشرّع أعطانا حصيلة جهده فبعد أن درس الجريمة وقدر درجة خطورتها ضبط لها العقاب الملائم وما نراه في نصوص القوانين ما هو إلا حصيلة جهد المشرع وأحكام الفصل 14 يوحي بذلك صراحة إذ جاء فيه تقديم للعقاب على وصف الجريمة ، فمثلا العقاب بالسجن لمدة خمسة اعوام على الاقل يحكم به لما تعتبر الجريمة جناية .

2 ـ جموده: فهذا التصنيف لا يقيم أي اعتبار لظروف المجرم أو الظروف التي ارتكبت فيها الجريمة Ü عدم تحقيق العدالة لأن تحقيق العدالة يستوجب التمييز بين الحالات ومراعاة الظروف الخاصة.

ولهذا وقع التخفيف من هذا الجمود بإقرار قاعدة التجنيح أي جعل الجناية جنحة وهذه القاعدة لا يوجد نص عام يكرسها بينما يوجد فصل خاص بالأطفال الفصل 69 م.ح طفل وهو النص الوحيد في التشريع التونسي. أما بالنسبة للرشد فالأمر يبقى خاضعا لاجتهاد المحاكم والنيابة العامة و قضاة التحقيق.

ورغم كل هذه الانتقادات فإن قاعدة التصنيف الثلاثي لا تزال معتمدة بل يمكن القول أن الاستغناء عنها لم يعد وارد أصلا خاصة في التشريع الجزائي التونسي وذلك نظرا لأهميته.

الفرع الثاني: الأهمية العملية للتصنيف الثلاثي للجريمة :

يمكن القول أن هذا التصنيف الثلاثي للجرائم يعتبر اليوم المحور الذي تدور حوله مختلف قواعد القانون الجنائي سواء أكانت قواعد إجرائية (أ) أم كانت قواعد موضوعية (ب).

الفقرة الأولى: أهمية التصنيف الثلاثي من الناحية الموضوعية :

1 ـ الاختصاص التشريعي الفصل 34 من الدستور: فالمخالفات المعاقب عليها بالخطية فقط من اختصاص السلطة التنفيذية بينما بقية الجرائم من اختصاص السلطة التشريعية.

2 ـ تسقط العقوبة المحكوم بها بمرور 20 سنة جناية ولا يجوز للمحكوم عليه الاقامة بمنطقة الولاية التي ارتكبت فيها الجريمة دون رخصة من الوالي. و5 سنوات للجنحة وسنتين المخالفة Ü هذا هو المبدأ.

وهناك استثناءات  فالمخدرات مثلا 10 جنحة 20 جناية

3 ـ المحاولة معاقب عنها في الجنايات دون حاجة لنص خاص، الجنح بنص خاص، المخالفة لا عقاب (ف 59 م.ج).

4 ـ المشاركة معاقب عليها في الجنايات والجنح دون المخالفات (ف 35 م.ج).

5 ـ المخالفات (ف313 م.ج) معاقب عنها ولو بدون توفر قصد الإضرار وقصد مخالفة القوانين، لكن المبدأ في الجنايات والجنح أن لا يعاقب أحد إلا بفعل ارتكب قصدا (ف 37 م.ج).

ـ لا عود في المخالفات بينما يترتب عن العود تشديد العقاب في الجنح والجنايات.

ـ لا يجوز تأجيل تنفيذ العقاب في المخالفات (ف 53 ـ 12 م.ج).

الفقرة الثانية: أهمية التصنيف الثلاثي من الناحية الإجرائية :

بالرجوع الى م.أ.ج نجد أن الكثير من قواعدها يعتمد على التصنيف الثلاثي وتضع لكل صنف قواعد خاصة ومنها :

1 ـ انقضاء الدعوى العمومية الفصل 5 م.أ.ج وهنا المبدأ هو: 10 سنوات في جناية  ـ 3 سنوات في جنحة  ـ سنة واحدة في المخالفة وذلك من يوم وقوع الجريمة، مع وجود حالات استثنائية مثل استثناء قضايا المخدرات فهي لا تسقط إلا بمرور 5 سنوات في الجنحة و10 سنوات في الجناية.

2 ـ تحديد المحكمة المختصة : الفصل 122 م.أ.ج الذي جاء فيه التصنيف ورد أصلا في باب مرجع النظر القضائي وكانت الغاية منه أصلا التمهيد لبقية الفصول التي ستحدد اختصاص المحاكم. فالجنايات من اختصاص المحاكم الابتدائية بمقر محكمة الاستئناف. والجنح من اختصاص المحكمة الابتدائية باستثناء الجن

المزيد


منهجية الموضوع النظري

كانون الثاني 22nd, 2008 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون

المنهجية: هي طريقة لاستغلال وتوظيف المعلومات في الإجابة عن إشكالية أو مشكل قانوني ما أو لتحليل فكرة ما.

فهي أسلوب في الكتابة يقوم على عرض الأفكار بأسلوب متسلسل ومرتب ومبوب (معنون)، وتجنب العرض العشوائي وغير الموظف للمعلومات أو سردها بأسلوب غير مسترسل أي بدون عنونة.

فلا أحد ينكر أن الارتجال من طبيعته أن لا ينتج إلا عملا أهوج، قليل الفائدة أما التفكير العلمي الممنهج والمقنن والتخطيط المسبق هما اللذان يرفعان من مستوى التحليل.

فالمنهجية إذا مجرد وسيلة وليست هدفا بحد ذاتها فهي أسلوب للتفكير المنظم وهي الخيط غير المرئي الذي يشد أجزاء الموضوع إلى بعضها البعض.

الموضوع النظري: هو موضوع يثير المناقشة والتفكير وغايته إثبات أو برهنة صحة أو خطأ فكرة معينة أو مجموعة أفكار أو إظهار أوجه العلاقة وأوجه التشابه والاختلاف بين مصطلحين قانونيين.

او هو اختبار هدفه معرفة مدى قدرة الطالب على تحديد الاشكالية التي يطرحها الموضوع وذلك من خلال مصطلحاته والصيغة التي قدم فيها.

فالموضوع النظري ليس مجرد فرصة لسرد المعلومات خلافا للمحاضرات التي يغلب عليها طابع السرد النظري للمعلومات.

لهذا فإن المعلومات الواردة في المحاضرات ليست أكثر من مادة خام سيستخدمها الطالب عند كتابة الموضوع لإنتاج العمل المطلوب منه.

فالغاية في المحاضرات هي استعراض أكبر قدر ممكن من المعلومات النظرية.

 بينما الغاية من الموضوع النظري المعروض على الطالب هي توظيف تلك المعلومات في الإجابة عن الإشكالية التي يطرحها الموضوع.

مع الإشارة إلى أنه كلما كان الطالب يملك ثقافة قانونية تتجاوز ما جاء في المحاضرات فإن دراسته لأي موضوع ستكون أكثر سهولة ودقة وشمولية.

فالمحاضرات بالنسبة للطالب يجب أن تمثل الحد الأدنى من المعلومات التي لا بد من الإلمام بها قبل البحث في أي موضوع وكلما ارتفع الطالب فوق ذلك الحد الأدنى كلما ازدادت لديه القدرة على تحليل أي موضوع يطرح عليه.

 وتتجلى أهمية المنهجية القانونية في أنها:

تبرز مدى قدرة الطالب على استيعاب المعلومات النظرية الواردة في المحاضرات وقدرته على التصرف فيها وفق متطلبات الموضوع المطروح عليه هذا من جهة.

 ومن جهة أخرى فإن المنهجية القانونية تعود الطالب على ترتيب وتنسيق أفكاره وتقديمها بشكل سلس وبتسلسل منطقي مبوب.

وكذلك تعوده على الأسلوب القانوني في الكتابة والقائم على الدقة والاختصار والوضوح وعدم التكرار، وتبعده عن السطحية والأسلوب السردي.

ولكن كيف نتطرق إلى دراسة الموضوع النظري؟

للإجابة عن ذلك لابد من أن نتعرض أولا إلى مراحل إعداد الإجابة عن الموضوع النظري (I) لنمر ثانيا إلى كيفية تحرير الإجابة عن الموضوع النظري (II)

I - مراحل إعداد الإجابة عن الموضوع النظري

وهي ستة مراحل: 1- فهم الموضوع – 2- ضبط المفاهيم والمصطلحات – 3- حصر الموضوع – 4- جمع المعلومات –5- تحديد الإشكالية – 6- وضع المخطط،ويمكن تقسيمها إلى مراحل أولية (أ) ومراحل جوهرية (ب).

أ ـ المراحل الأولية

وهي : فهم الموضوع (1) تحديد المصطلحات (2) حصر الموضوع (3)

وذلك  بقراءة الموضوع عدة مرات قراءة متأنية دون تسرع لأن :

القراءة المتسرعة  =  إجابة خاطئة حتما.

إذ أن القراءة المتسرعة قد تجعلنا لا ننتبه للكلمات والمصطلحات الواردة في الموضوع بدقة.        

في كل موضوع يوجد مصطلح أو مصطلحات قانونية كما توجد بعض المفردات والأحرف، وجميعها ما سيحدد لنا المطلوب في الموضوع ومن أين نبدأ وكيف نحلل.

والقراءة المتأنية غايتها استخراج تلك المصطلحات والمفردات والحروف التي يمكن تصنيفها الى ثلاث أنواع هي :

النوع الأول يمكن أن نسميه "الكلمات المفاتيح":

وهي المصطلحات القانونية الواردة في نص الموضوع، وسميناها بالكلمات المفاتيح لأنها هي التي ستدخلنا في صلب الموضوع، ولأنها المحور الذي سيدور حوله تحليلنا للموضوع، ومن أمثلتها : القاعدة القانونية – العرف – التشريع – فقه القضاء – محكمة التعقيب – مبدأ حياد القاضي – القرائن القانونية – حق الشفعة - …وغيرها الكثير من المصطلحات التي سيتعرض لها الطالب اثناء دراسته.

النوع الثاني يمكن أن نسميه "الكلمات الإطار":

وهي المفردات التي لا تعتبر مصطلحات وسميناها بالكلمات الإطار لأنها هي التي سترسم لنا حدود الموضوع، وتحدد لنا بدقة إطار البحث الذي يجب أن لا نخرج عنه. ومن أمثلتها : " خصائص ـ دور – نجاعة – مبررات – أسباب – شروط – تراجع ـ تفاعل– آثار – ميدان…".

وميزت هذه الكلمات إنها ليست حكرا على اللغة القانونية وهي تحمل نفس المعنى المعروف لها عادة في اللغة العادية.

النوع الثالث وهو الأحرف:

فقد يوجد في نص الموضوع حرف أو أكثر وهذه الحروف تلعب أحيانا دورا كبيرا في تحديد المطلوب في الموضوع.

ويمكن أن يكون الحرف حرف استفهام ولكل حرف استفهام إجابة تختلف عن الآخر، فعندما نسأل لماذا؟ ستكون إجابتنا مختلفة حتما عن أن نسأل ماهي ؟ أو كيف؟ أو أين؟ أو متى؟…ولهذا يجب تحديد السؤال بدقة.

كما يمكن أن يكون حرف عطف مثل الواو (و - أو) فوجود الواو هو الذي سيجعلنا نبحث هل أن الموضوع علاقة أم مقارنة؟

ولهذا يتم التأكيد دائما على ضرورة القراءة الفاحصة للموضوع حتى نستخرج المصطلحات و المفردات والحروف التي ستوجهنا في تحليلنا وتعيننا في حصر الموضوع.

وهذا الأمر سيكون سهلا إذا ركزنا في المرحلتين السابقتين، والغاية من حصر الموضوع ليست فقط تحديد ما هو مطلوب منا.

وإنما أيضا تحديد الإطار العام للموضوع أي تحديد إطاره القانوني أو إطاره التاريخي ويمكن هنا الاستعانة بمخطط المحاضرات، لأن هذا المخطط هو الذي يساعد الطالب في معرفة هيكلية المادة التي يبحث فيها وتقسيماتها وموقع كل موضوع من الدرس : أين يبدأ وأين ينتهي وإلى أي جزء من المحاضرات ينتمي.

وهذه المرحلة ستعيننا في تحديد الفكرة التي سننطلق منها في التحليل وستساعدنا كذلك في الانتقال إلى المراحل الجوهرية للإعداد للموضوع النظري :

ب-المراحل الجوهرية للإعداد الموضوع النظري  :

وهي ثلاثة حسب الترتيب الآتي: جمع المعلومات (1) وتحديد الإشكالية (2) ووضع المخطط (3).

1- جمع المعلومات

أي جمع المعلومات التي لها علاقة بالمصطلحات القانونية الواردة في الموضوع واستبعاد المعلومات التي لا علاقة لها بالمطلوب.

ويمكن جمع المعلومات بطرح الأسئلة على أنفسنا : ما هو تعريف المصطلحات؟ ما هي الطبيعة القانونية للمصطلحات؟ ما هو نظامها القانوني ؟ ما هي شروطها ؟ ما هي آثارها؟ كيف تعامل معها المشرع ؟ وما هي الفصول التي تعرضت لها؟ وما هي آراء الفقه في هذا الموضوع ؟ وهل يوجد فقه قضاء حول الموضوع أم لا؟… وهكذا نستمر في طرح الأسئلة على أنفسنا والإجابة عنها. وكل إجابة يمكن أن تذكرنا بمعلومات أخرى، أي أن كل معلومة نتذكرها قد تذكرنا بمعلومة ثانية وهكذا، وما طرح الأسئلة إلا عنصر مساعد في تنشيط الذاكرة _ تداعي الأفكار _.

وهذه الطريقة أفضل من انتظار أن تأتي المعلومات عن طريق التأمل والتركيز دون أن نحاول استثارتها بأنفسنا.

2-تحديد الإشكالية:

وهذه المرحلة تأتي حتما بعد عملية جمع المعلومات لأننا لا يمكن أن نحدد الإشكالية إلا اعتمادا على المعلومات التي لدينا.

لأن المقصود بتحديد الإشكالية هو تضييق حدود الموضوع بحيث يكون مفصلا على ما يجب تناوله، ومتناسبا مع الوقت المحدد لإنجاز الموضوع، وملائما لمعلومات الطالب.

فالإشكالية هي السؤال الذي يطرح علينا الموضوع بسببه حتى نجيب عنه فلكل موضوع إشكالية يجب علينا أن نحددها بدقة حتى نجيب عنها بوضوح وشمولية.

وإشكالية الموضوع من الأشياء التي يستهن بها البعض بحيث يجرؤ على تحديدها لمجرد قراءة الموضوع، ومن جهة أخرى يراها البعض قضية كبرى ويمضي وقتا طويلا في البحث عنها.

وكلا السلوكين خاطئ فالأول قد يؤدي إلى الخروج عن الموضوع بسهولة والثاني قد يؤدي إلى ضياع الوقت دون التمكن من إنجاز المطلوب.

لهذا يجب تجنب الأسلوبين واعتماد أسلوب وسطي لا إفراط ولا تفريط فيه، وهو أسلوب عملي يتغير حسب الموضوع لأن طريقة استخلاص الإشكالية تختلف باختلاف طريقة طرح الموضوع علينا وباختلاف الكلمات والأحرف الموجودة في نص الموضوع.

ولهذا يجب علينا أن نميز بين مختلف أنواع المواضيع النظرية لأن لكل نوع طريقة مختلفة في الوصول إلى ضبط الإشكالية وذلك على النحو التالي:

 

2-1-موضوع المصطلح الواحد

أي أن يوجد أمامنا مصطلح قانوني واحد دون أي كلمة معه مثل:"العرف – مدرسة الشرح على المتون – الشخصية القانونية – الإقرار – الشهادة – الأهلية – التصرف القانوني – الحجة الكتابية – الحرمة الجسدية – الذات المعنوية  …الخ".

في هذه الحالة يجب طرح الإشكالية بشكل يشمل الموضوع من جميع جوانبه وتجنب أن نحصر الموضوع في زاوية معينة.

فالمطلق يجب أن يبقي على إطلاقه، لأن حصره قد يؤدي إلى الإنقاص مما هو مطلوب في الموضوع، وهنا يمكن أن تكون الإشكالية (ما هو العرف ؟ مثلا) فهذا السؤال العام يمكننا من الإلمام التام بالموضوع.

 

ولكن أحيانا- ومن خلال ما جاء في المحاضرات أو من خلال ثقافتنا القانونية- تكون لدينا فكرة محددة عن الإشكالية التي يطرحها مصطلح ما، أو نكون عارفين بأن فيه بعض النقاط الثانوية التي لا تحتاج إلى تحليل، بينما توجد فيه نقطة واحدة هي التي تستوجب البحث والتحليل فعندها يمكننا أن نركز على تلك النقطة، وهذا التخصيص للموضوع وحصره في زاوية معينة يجب أن يتم على أساس اليقين التام.

وللتوضيح لا بد من بيان العناصر التي يتألف منها أي مصطلح قانوني.

إن أي مصطلح قانوني يتألف عادة من ثلاثة عناصر هي: مفهومه وطبيعته القانونية ونظامه القانوني.

*- المفهوم:

أي تعريف المصطلح من خلال ابراز عناصره المميزة له عن غيره والمعبرة عن محتواه بعبارات عامة وشاملة وموجزة تسمح لنا بتحديد المقصود بذلك المصطلح وتمييزه عن غيره ومبدئيا يقع التعرض للمفهوم في المقدمة الا اذا كان هو في حد ذاته مثار جدل وخلاف فيمكن ان يقع التطرق له صلب جوهر الموضوع.

*- الطبيعة القانونية:

أي البحث عن تكييف المصطلح وادراجه ضمن احد الاصناف القانونية بغاية معرفة نظامه القانوني العام الذي يخضع له. لان القانون يحتوي على مجموعة من الاصناف القانونية لكل منها احكامه الخاصة به. والطبيعة القانونية مسألة يحددها المشرع بصفة صريحة ومباشرة عادة الا انه قد يغفل عن ذلك وعندها ستكون محل جدل وخلاف بما يستوجب التعمق في دراستها ويكون مكانها بالتالي صلب الموضوع لا في المقدمة.

*- النظام القانوني:

وهو مجموعة الاحكام التي وضعها المشرع لضبط مصطلح ما وذلك من خلال بيان شروطه وقواعد وجوده وزواله. وهو العنصر الاهم في أي مصطلح اذ لا مجال للاستغناء عنها فإما أن يكون هو محور الموضوع باكمله وإما أن يكون هو مصدر تحديد المفهوم والطبيعة القانونية. 

فمثلا بعض المواضيع لا يطرح مفهومها ولا طبيعتها القانونية أي مشكل فهما واضحين ومتفق عليهما، عندها تنحصر التساؤلات وبالتالي الإشكالية في البحث عن النظام القانوني.

وعموما إذا كانت عبارة الموضوع مطلقة فيفضل أن نبقي الموضوع على إطلاقه إلا إذا كنا متأكدين من المطلوب.

2-2- موضوع المصطلحين :

ويكون هذان المصطلحان مرتبطان غالبا بحرف العطف / و / الذي يختلف مدلوله باختلاف طبيعة المصطلحين.

- فإذا كنا من طبيعة واحدة فإن الواو تعني أننا أمام موضوع مقارنة لأننا عندما نجد شيئان متشاب

المزيد


الأهلية

كانون الثاني 22nd, 2008 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون

الشخصية القانونية: هي القدرة على تحمل الواجبات و التمتع بالحقوق و ممارستها.

الأهلية تنقسم الى: أهلية وجوب وأهلية أداء.

أهلية الوجوب

القدرة على التمتع بالحقوق وتحمل الالتزامات = الشخصية القانونية–> لايمكن الحديث عن شخص دون أهلية وجوب.

¬  لا تزول الا بزوال الشخصية القانونية.

¬  تكتسب مبدئيا بالولادة وتزول بالوفاة.

ولكن وقع الاعتراف بها للجنين شرط أن يولد حيا.

أهلية الأداء

هي قدرة الفرد على ممارسة الحق.

ويمكن تقييدها.

ويمكن أن تنعدم.

إما حماية للشخص (الصغير المميز – ضعيف العقل).

وإما جزاء له على سوء تصرفه(السفيه- المفلس –المحكوم عليه بالسجن 10سنوات).

أهلية الاداء يمكن أن تنعدم كما يمكن أن تقيد.

 

 

الأهلية المنعدمة

صغر السن = الصغير غير المميز

هو من لم يبلغ من العمر 13 سنة كاملة.

حكم تصرفاته: بطلان مطلق ولو كانت من قبيل النفع المحض[1].

وليه: حسب الفصل 154 على الترتيب: الأب ثم الأم ثم الوصي وعند عدم وجود وصي مقدم قضائي.

في حالة الطلاق تبقى الولاية للأب ولكن إن أسندت الحضانة للأم فإنها تمنح بعض مشمولات الولاية فيما يتعلق بدراسة المحضون وسفره والتصرف في حساباته المالية.

ويمكن للقاضي أن يمنح الأم مشمولات الولاية عند غياب الأب أو تقاعسه عن ممارسة صلاحيات الولاية

سلطات الولي: كل أعماله تحت رقابة وكيل الجمهورية وقاضي التقاديم.

الحالة الطارئة= المجنون

هو من فقد عقله بصفة مستمرة او متقطعة.

لا يمكن اعتبار الاضطرابات العقلية سببا آليا للحجر بل يجب إثبات أنها مفقدة للقدرة على التمييز والإدراك تماما حتى تعد من قبيل الجنون في المادة المدنية.

حكم تصرفاته: بطلان مطلق ولو كانت من قبيل النفع المحض1.

الحجر عليه: لا يكون إلا بحكم قضائي بالحجر وتعيين مقدم قضائي للقيام بشؤون المجنون ويمارس أعماله تحت رقابة وكيل الجمهورية وقاضي التقاديم تماما مثل ولي الصغير.

رفع الحجر: بحكم قضائي ايضا ويمكن للمجنون القيام بمفرده بدعوى لطلب رفع الحجر عنه.

يلاحظ وجود تقارب كبير بين حكم تصرفات الصغير غير المميز والمجنون لأنهما حالتا انعدام أهلية.

الأهلية المقيدة صغر السن = الصغير المميز

المزيد


الشخصية القانونية

كانون الثاني 21st, 2008 كتبها محمود داوود يعقوب نشر في , أراء في القانون

يتميز القانون باستقلالية مفاهيمه، فاصطلاح "الشخص" له معنى قانوني محدد مرتبط بفكرة القانون عن الحق، فالشخصية القانونية لا ترتبط بالإدراك أو الإرادة ولا بالصفة الإنسانية،وإنما ترتبط بالحقوق واجبة الرعاية القانونية ومن تنسب له هذه الحقوق فالشخص في نظر القانون هو كل من يصلح أن تكون له حقوق وعليه التزامات.

أ- تعريف الشخصية القانونية:

القدرة على تحمل الواجبات و التمتع بالحقوق وممارستها

مفهوم قانوني لصيق بالصفة الانسانية.

يتطابق مع مفهوم أهلية الوجوب … و لا يرتبط وجوبا بأهلية الاداء.

لايمكن الحديث عن شخص دون ان تكون له اهلية وجوب في حين يمكن ان يكون الشخص فاقدا لاهلية الاداء أو مقيدها

و لكن هذا المفهوم تطور ليواكب متطلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية فتجاوز الصفة الانسانية ليطال كيانات اعتبارية باتت تعرف بالشخص المعنوي.

فالشخص الطبيعي هو الإنسان.

أما الشخص المعنوي فهو عبارة عن تجمع أشخاص أو أموال أو مصالح يعترف به القانون و يمنحه شخصية مستقلة عن شخصية مكونيه وأعضائه وكل من هم منضوين تحته. وتنقسم الاشخاص المعنوية الى صنفين:

عامة: الدولة… البلديات… الولايات… المنشأت العمومية… والمؤسسات الإدارية… تخضع أساسا للقانونين الدستوري والإداري

خاصة: الشركات… الجمعيات… النقابات… الأحزاب… التعاضديات

و رغم الاختلاف بين الاحكام المنظمة لكل من الشخص الطبيعي و المعنوي فإنه لا بد من دراستهما بالتوازي مع بعض المقارنة ثم بيان خصوصيات كل منهما عن الأخر.

 

ب- مدة الشخصية القانونية

متى يوجد الانسان ككيان مادي وقانوني معترف به؟  ومتى يوجد الشخص المعنوي ككيان معنوي و قانوني معترف به؟

وجود الإنسان… مدة الشخصية القانونية للشخص الطبيعي

1- البداية

1-1- المبدأ:… الولادة

هي واقعة قانونية ولكنها لا تثبت مبدئيا إلا بكتب رسمي… مضمون الولادة… يحرره ضابط الحالة المدنية ويتضمن جملة من البيانات الوجوبية

الفصل 22 ق ح م : يقع إعلام ضباط الحالة المدنية بالمكان بالولادات خلال العشرة أيام التى تلى الوضع.

الفصل 23 ق ح م : إذا لم يقع الإعلام بالولادة فى الأجل القانونى فإنه لا يمكن لضابط الحالة المدنية تضمينها بدفاتره إلا بمقتضى إذن صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بالجهة التى ولد بها المولود وينص على ذلك باختصار بالطرة فى تاريخ الولادة.

الفصل 24 ق ح م : يعلم بولادة الطفل ولده والأطباء والقوابل أو غيرهم من الأشخاص الذين شهدوا الوضع فإذا وضعت الأم حملها خارج مسكنها يقع الإعلام من طرف الشخص الذى وقعت الولادة بمحله إن أمكن ذلك ويحرر رسم الولادة حالا.

الفصل 25 ق ح م : يعاقب كل شخص حضر الولادة ولم يعلم بذلك حسيما قرره الفصل 22 من هذا الأمر بالسجن لمدة ستة أشهر ويخطية قدرها ثلاثة آلاف فرنك أو بإحدى هاتين العقوبتين وتطبق أحكام الفصل 53 من المجلة الجنائية على المخالفات المقررة بالفقرة أعلاه.

الفصل 26 ق ح م : وينص برسم الولادة على اليوم والساعة ومكان الولادة وجنس المولود والأسماء التى تختار له واسم ولقب ومكان وتاريخ ولادة الأب والأم وكذلك حرفتهما ومسكنهما وجنسيتهما والمعلم ان اقتضى الحال ذلك.

1-2- الاحكام الخاصة بالجنين

المشرع يستخدم مصطلح حمل أي الولد في بطن أمه… وهو مصطلح يقصد به الجنين أحيانا وحالة الأم أحيانا أخرى.

هل للجنين شخصية قانونية؟ هناك جدل واختلاف حول هذه النقطة… شيئية الجنين /…الجنين شخص له حقوق معلقة على ولادته حيا… رأي اللجنة الوطنية الطبية "شخص احتمالي"… احتراما للكرامة البشرية.

المشرع تأثرا منه بالفقه الاسلامي أعطى للجنين حقا في الميراث و الوصية وعلقه على شرط ان يولد حيا.

2- النهاية

2-1- الحالة الأصلية… الوفاة الطبيعية… الموت:

هو واقعة قانونية ولكنه لا تثبت بكتب رسمي… رسم الوفاة

يحرر رسم الوفاة ضابط الحالة المدنية بالمنطقة التى وقعت فيها الوفاة وذلك طبق تصريح من قريب الهالك أو من شخص لديه عن حالته المدنية إرشادات صحيحة تامة بقدر الإمكان.

أجل الإعلام بالوفاة ثلاثة أيام وإذا لم يقع الإعلام بالوفاة فى الأجل القانونى فإنه لا يمكن لضابط الحالة المدنية تضمينها بدفاتره إلا بمقتضى إذن صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بالجهة التى حصلت بها الوفاة

وينص برسم الوفاة على اليوم والساعة والمكان الواقعة فيها الوفاة وعلى اسم المتوفى ولقبه وتاريخ ومكان ولادته وحرفته ومقره وجنسيته وعلى اسمى أبويه ولقبهما ومقرهما وجنسيتهما وعلى اسم الزوج ولقبه إذا كان الهالك متوجاً أو أرملا أو مطلقاً وعلى اسم القائم بالتصريح ولقبه وسنة وحرفته ومقره ودرجة قرابته للمتوفى إن أمكن وكل ذلك بقدر ما يستفاد من المعلومات وينص على وفاة الهالك بطرة رسم ولادته.

الموت هو مفارقة الروح للجسد، لهذا يعرف رجال الدين (والفقهاء) الموت بأنه "انفصال الروح عن الجسد"… غير مقنع قانونا.

المشرع لم يصدر أي قانون يعرّف "الموت" و ترك ذلك لأهل الاختصاص و للسلطة الترتيبية وهذا أمر منطقي إذ لا يمكن للمشرع أن يعتمد تعريفا معينا من الممكن أن تتجاوزه العلوم الطبية لاحقا خاصة أن تعريف واقعة الموت في تطور مستمر.

لكن الفقه قدم عدة تعريفات متباينة للموت.

إذ وقع تعريفه بأنه توقف جهاز التنفس لدى الإنسان.

ثم قيل إن الموت هو توقف القلب عن الخفقان.

وفي مرحلة لاحقة تم التأكيد أن الموت يتعلق بالمخ وتوقفه عن العمل وتحديدا ما يسمى وفاة جذع المخ. أي خمود منطقة المخ المنوطة بها الوظائف الحياتية الأساسية.

وأخيرا ظهر اتجاه يجمع بين جملة ما سبق فيعتبر الشخص ميتا في إحدى هاتين الحالتين:

ـ التوقف الكامل الذي لا رجعة فيه لوظائف الجهاز التنفسي والجهاز القلبي الوعائي.

ـ التوقف ا

المزيد





الساعة الآن